//Put this in the section //Vbout Automation

الحريري يهادن ”الثوار” أم ينتفض معهم؟

مجد بو مجاهد – النهار

تربك التطوّرات السياسية الشارع اللبناني مجدّداً، مع تعاظم الخشية من تحوّل الهدف الذي حقّقته الانتفاضة الشعبية عقب استقالة الحكومة الى تسديدة في مرمى الذات. ويأتي ذلك بعد الغليان الذي شهده الشارع المؤيد للرئيس سعد الحريري، الرافض أن يدفع فاتورة الأيام الخمسة عشر من الاعتصامات وقطع الطرق، وأن يتلقّى بصدره “الطلقات” المخصّصة لـ”كلّن يعني كلّن”. وقد شهدت المناطق السنية بعيد الاستقالة، تظاهرات ووقفات واحتجاجات من عكار شمالاً الى البقاع وبيروت، وهي اعتبرت بمثابة رسالة دعم الى الحريري، رفضاً لاستبعاده عن رئاسة الحكومة المقبلة. وبذلك، يكمن الاستحقاق الأساسي أمام أبناء الانتفاضة في فكّ شيفرة الحريري الجديدة، بعدما عُدّلت من “ورقة اصلاحية” الى حكومة جديدة. ويتطلب فكّ الشيفرة هذه المرّة اختيار معادلة من اثنتين: إما نظرية أن الحريري وجماهيره انضمّوا الى المنتفضين قلبا وقالبا ويريدون فعلاً الضغط للعودة الى رئاسة الحكومة وتحقيق مطالبهم، وإما أن ما يحصل اليوم هو شدّ عصب طائفي يعيد برمجة العقول بمشاركة أقطاب السلطة، وهي نظرية يتبناها البعض.




أي نظرية هي الأقرب الى المعايير الواقعية؟ ما يمكن تأكيده، بحسب مقرّبين من “بيت الوسط”، أن الحريري كان صادقاً في استقالته التي نجمت عن عدم قدرته على تحمّل الضغوط، وهو ليس موهوباً بفنّ التلاعب السياسي، بل انقطع عن التواصل مع أهل بيته السياسي في الأيام الأخيرة التي سبقت قراره. ويشرح المقرّبون أن الانهاك الذي أصاب الحريري هو نتيجة طريقة التعامل معه، وبالأخصّ من شريكه الرئيسي في الحكومة الوزير جبران باسيل، الذي “تخّنها” في الأشهر الأخيرة، بحسب تعبير المصادر نفسها، فوجد الحريري الفرصة سانحة للتخلّص من الضغوط المتراكمة. ويتراءى من المشهدية التي يقدّمها المقرّبون أن المشكلة لم تكن وليدة ساعتها، بل إن إبعاد نادر الحريري المتناغم مع باسيل في الطبائع والتفكير والتنفيذ، بمثابة محاولة أولى من سعد الحريري لتخفيف تأثير وزير الخارجية، الذي أحرج رئيس الحكومة في صلاحياته وعلاقاته العربية والملف السوري، وصولاً الى الخطاب التصعيدي الطائفي الذي شكّل عبئاً على الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط أيضا. وتلفت المصادر نفسها الى أنه لا بد من مراقبة تكتيكات باسيل السياسية في المرحلة الأخيرة ودرسها من الناحية النفسية، إذ كان لها دور كبير في اشتعال الجبهات.

هل تعني هذه المعطيات أن باسيل سيغيّب حكومياً؟ يختصر فكّ الشيفرة هنا بعبارة: إما جبران وإما سعد، فالأخير لم يعد قادراً على التحمّل وإلا سيخسر كلّ ما ربحه في هذه المرحلة لحظة واحدة، وفق المصادر، وهو لن يقبل باستنساخ الحكومة المستقيلة. واذا كان وضع الحريري اليوم أفضل من الأمس مستعيداً هالته في الشارع السني، إلا أن التساؤلات تطرح حول قدرته على الصمود رغم صدقيته، لكن المعروف عنه أنه أحياناً يبدّل قراراته تحت أدنى ضغط، وهي تجربة عايشها المقرّبون في غير مرحلة. ويتمثل عنصر القوّة باعتبار الحريري وحده قادرا على إيجاد مدخل لاستعادة استقرار لبنان الاقتصادي، رغم تلميح البعض الى أسماء سنية جديدة، يمكن استقطابها، لها علاقاتها العربية والاوروبية.

المخاض الحالي ليس مهماً نسبة الى بعض القراءات، فيما يكمن بيت القصيد في النتيجة. فأي حكومة ستولد؟ تحتاج الاجابة الدقيقة عن هذا التساؤل الى قراءة المشهدية، ليس من منطلق الظروف التي تشهدها البلاد راهناً، بل من زاوية النتائج التي ستؤدي اليها هذه الظروف. وترسم أوساط سياسية مراقبة مفترقات ثلاثة ستسلك البلاد أحدها: فإذا عاد الحريري رئيساً للحكومة المرتقبة عليه الاتفاق مع الأطراف السياسيين على حكومة يهندسها هؤلاء، واذا لم تكلّفه نتائج الاستشارات فسيشتد العصب الطائفي. ويبقى المفترق الأخير هو الدرب السالك نحو محطّة وصول تلبي النداءات الشعبية: حكومة تكنوقراط كاملة، وهو طرح “صعب جداً”، في قراءة الاوساط نفسها، ولا يتوقّع أن يقبله “حزب الله”.

تتجه البورصة راهناً نحو السير بالمفترق الأوّل، اذ تشير المعلومات التي استقتها “النهار” الى ترجيح الخيار التكنو- سياسي، مع بروز اسم سعد الحريري رئيساً، وهذا ما يرشح من تصريحات زوّار “حزب الله” وملتقطي الذبذبات من خطه السياسي، ومنهم من خرج في الساعات الماضية ليبشّر بأن الحريري هو الاسم الأكثر قابلية لتولي المرحلة المقبلة.

العنصر السياسي الرئيسي الذي يساند الحريري في خيار التكنوقراط، هو حزب “القوات اللبنانية”، الذي تؤكّد مصادره أنه حريص على تسمية وزراء تكنوقراط ذوي مسار تاريخي مشهود لهم بكفايتهم، ولا يتأثرون بضغوط سياسية، مع ترجيح الحريري بالدرجة الأولى اذا حملت التشكيلة عنوان الاختصاصيين.

ويبقى السؤال الأبرز عما اذا كانت الانتفاضة تتحوّل من وطنية الى مذهبية. لا تزال المشهدية تحافظ على الخلفية الوطنية، في عدسة المراقبين، رغم الامتعاض القوي في الشارع السني والانزعاج من طلب البعض الالتفاف حول رئيس الجمهورية. وتبقى الصورة المضبوطة وطنياً والتي تعكسها ساحة النور في طرابلس وساحتا الشهداء ورياض الصلح، خير مثال على أن الانتفاضة لا تزال بخير. ومن حسنات الانتفاضة أنها خضّت جميع الأفرقاء المحتاجين الى حلول جذرية – وان تكن المطالب اقتصادية- لكنها في النهاية تصرف في السياسة مع بروز المطالبة بقانون انتخابي جديد.