//Put this in the section //Vbout Automation

شريان الحياة الاقتصادي لها.. إليك الأسباب التي ستجعل إيران تقاتل بضراوة قبل أن تنسحب من العراق

لا يبدو أن المتظاهرين العراقيين سيتراجعون عن مطالبهم بإقالة الحكومة العراقية، بعد خروجهم في أكبر مظاهرات اليومين الماضيين. وقد قتل أكثر من 250 شخصاً، الشهر الماضي، وجرح الآلاف. ويريد معظم المتظاهرين الشباب أن تخرج إيران من العراق، ما يشير إلى تحول واعد في السياسة العراقية «يتجاوز الطائفية». يقول موقع Al-Monitor الأمريكي: لكن لا تتوقعوا من إيران، التي تتمتع بالكثير من أدوات النفوذ، أن تقبل الهزيمة وتنسحب.

إذ أشار الرئيس العراقي برهم صالح، في مقابلة مع Al-Monitor قبل أيام قليلة من الجولة الأولى من التظاهرات في العراق، إلى الحاجة إلى توفير وظائف للشباب باعتبارها «المهمة الحقيقية» لقادة المنطقة، مضيفاً أن الفساد هو «الاقتصاد السياسي للصراع». وبعد ذلك بوقت قصير، خرج شباب العراق إلى الشوارع، ولم يتوقفوا إلا لفترة قصيرة للاحتفال بيوم الأربعين.




وطالب صالح هذا الأسبوع بإجراء إصلاحات كبرى، وإصدار قانون انتخابات جديد لإنهاء سيطرة النخب العراقية الأزلية والفصائل السياسة العراقية، مثلما يوضح عمر ستّار. وفور إقرار القانون سيدعو صالح إلى انتخابات جديدة.

فوضى مُعطَّلة

وقد عرض رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي الاستقالة إذا وُجد البديل، لكن الإصلاح الانتخابي هو صميم التحدي طويل الأجل للإصلاح السياسي. وليس هذا هو الحل الوحيد بالطبع، فالنظام عبارة عن فوضى مُعطَّلة، وستسعى الفصائل والقوى الخارجية إلى التأثير والضغط، ولا يمكن حل مشكلة الحاجة إلى الوظائف بين عشية وضحاها أيضاً، لكن تمكين الناس من الإدلاء بأصواتهم لشيء آخر غير «القوائم» المعدة مسبقاً، والمستندة إلى الأحزاب والأفراد الحاليين أمر ضروري.

إلا أن المتظاهرين لا يطالبون فقط بالإصلاحات، بل يريدون التخلص من الحكومة الحالية بالكامل. وقد يغطي إحباطهم الذي نتفهمه على حقيقة جوهرية، وهي أن البناء يستغرق وقتاً أطول بكثير من الهدم، وأن التخلص من الشلل الحالي، إلى الأبد، يتطلب شراكة مع قادة متقاربين في التفكير.

والدستور العراقي، رغم عيوبه، هو الدستور. وقد تؤدي الفوضى في النهاية إلى إعاقة الإصلاحات ذاتها التي توفر الحلول طويلة الأجل للأزمة الحالية. وتلك الإصلاحات المتعارضة كثيرة.

المتظاهرون غاضبون من الجميع

يكتب دوغلاس أوليفانت وهو مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي وشارك في حرب العراق قائلاً: «هناك فصائل سياسية تحب القصور الحالي. وهذه الأحزاب، التي وحدها الإيرانيون، تتفق جميعها على الهدف السلبي المتمثل في إبقاء بغداد ضعيفة، حتى تصبح مشاريعها الوطنية الفرعية أكثر قابلية للتطبيق. لذلك إذا ظهرت أطراف سياسية شجاعة، فمن المؤكد أن عدداً أكبر من الأطراف الخبيثة التي تستغل الخوف العام من الإصلاحات الحقيقية ستطغى عليها».

ففي واحدة من المنعطفات السياسية الرئيسية، انقلب القائد الشعبي مقتدى الصدر، الذي يقود أكبر كتلة في مجلس النواب العراقي، بالتعاون مع العامري، على عبدالمهدي في محاولة للعثور على موطئ قدم له في الزلزال السياسي في العراق.

ويقول علي معموري إن عبدالمهدي أصبح على ما يبدو «تضحية سهلة» لصالح طموحات الصدر.

إذ يكتب قائلاً: «يبدو أن الصدر يخاف من فقدان نفوذه. لقد كان قادراً على التلاعب بالاحتجاجات في الماضي، لكن هذه المرة، المتظاهرون غاضبون من جميع الأحزاب والشخصيات السياسية، بمن فيهم الصدر نفسه، واتهموهم بأنهم جزء من الفساد السياسي والاقتصادي في العراق منذ عام 2003. وانتُقد الصدر مؤخراً أيضاً بسبب ظهوره الأخير بجانب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي».

لقد أوضح المتظاهرون العراقيون أنهم نالوا كفايتهم من إيران، لكن لا تعتقدوا أن إيران سترحل ببساطة.

ماذا ستفعل إيران لمواجهة هذه الأزمة؟

يقول موقع المونيتور إن توجه إيران الحالي هو إبقاء عبدالمهدي في السلطة، ومحاولة تقويض دعم آية الله علي السيستاني للاحتجاجات (وهو ما فشل حتى الآن). واستخدم خامنئي أيضاً بطاقة «العدو الأجنبي». إذ قال خامنئي هذا الأسبوع: «أناشد كل من يحب العراق ولبنان أن يتصدى لأعمال الشغب وانعدام الأمن، التي تسببها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية الأخرى، بتمويل من بعض الدول المتخلفة».

ويكتب معموري: «لقد تغلغل النفوذ الإيراني بعمق داخل الحكومة العراقية، التي لا تزال تواجه تحديات في المؤسسات التي نشأت في ظل الاحتلال الأمريكي، التي من بينها الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب. وكانت إقالة القائد الشعبي لجهاز مكافحة الإرهاب عبدالوهاب الساعدي أحد العوامل التي أشعلت الاحتجاجات. ويبدو أن ما يُفترض به أن يكون هيئات عراقية مستقلة يجري استهدافها وتقويضها من قبل وكلاء إيران ولصالحهم وراء الكواليس».

إن المعركة ضد النفوذ الإيراني في العراق لعبة طويلة، لكنها آخذة في التقدم. فمن ناحية، قد يكون لواشنطن وطهران مصلحة مشتركة في انهيار الحكومة بالكامل. ومع ذلك، إذا استمرت الاحتجاجات في التصاعد، يمكن أن يتحول العراق إلى ساحة معركة بسهولة، ربما أكثر من أي وقت مضى.

العراق شريان الحياة الاقتصادي لإيران

ومن المستحيل أن تترك إيران العراق بأي ثمن، إذ إنه يمثل أولوية قصوى لأمنها القومي، وليس فقط من الناحية الاستراتيجية والعسكرية. إذ إن الركائز الاقتصادية الإيرانية في حالة مروعة، وهي بحاجة إلى شريان الحياة الاقتصادي العراقي.

ويُظهر أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 9.5%هذا العام، بعد أن كان 4.8% عام 2018، وانخفاض صادرات النفط والغاز من 2.15 مليون برميل يومياً عامي 2016 و2017 إلى 600 ألف فقط هذا العام، وبلوغ نسبة التضخم حوالي 35.7%.

غير أنه إذا كانت إيران تشعر أنها مُهددة، وأن الحكومة على وشك الانهيار، فإن النظام في طهران لديه العديد من الأدوات، مثل نفوذها في قطاعات الكهرباء وغيرها، وداخل الأجهزة الأمنية، ومع وحدات الحشد الشعبي والعامري وأطراف أخرى، التي يستطيع استخدامها لمواصلة الضغط.

وعلى عكس الولايات المتحدة، التي استثمرت في المؤسسات العراقية، لا تهتم إيران سوى بقوتها ونفوذها. ولا تبالي طهران كثيراً بالفوضى وإراقة الدماء مادامت على الأراضي العراقية. ويتمتع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بخبرة واسعة في العراق حين تتحول إلى ساحة معركة.

ثم يأتي دور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي يمر بمرحلةٍ انتقالية بعد أن أطاحت القوات الأمريكية بأبوبكر البغدادي. إذ يستضيف العراق بالفعل 250 ألف لاجئٍ سوري، وأكثر من مليون عراقيٍّ نازح بسبب الحرب السابقة ضد داعش. وتحتاج المجتمعات العراقية في أعقاب داعش إلى معونة إعادة إعمار تُقدَّر بـ88 مليار دولار، بحسب وزير المالية العراقي فؤاد حسين. ويزداد خطر ظهور داعش من جديد داخل العراق في ظل عدم الاستقرار الراهن.

كلمة «الإصلاح» لا يريد الشارع سماعها الآن 

ويقول الموقع الأمريكي إن الإصلاح في العراق يُمثِّل لعبةً طويلة، بدأت لتوّها الآن. فالصبر والإصلاح هي كلماتٌ لا يرغب الشارع في سماعها. ولكن هذا هو المطلوب.

والإعداد الافتراضي لانهيار الحكومة العراقية قد لا يكون الاستقرار والديمقراطية، إذ إنَّ الجيران والمنطقة ستكون لهم كلمتهم في سير الأحداث، ولن يخدم ذلك مصالح العراق دائماً.

وهناك دائماً خطورةٌ في المقارنات، ولكن يجدر بنا أن نتذكَّر أنَّ نيلسون مانديلا كان بحاجةٍ إلى الرئيس الجنوب إفريقي فريديريك ويليم دي كليرك، لتنفيذ الإصلاحات التي أنهت الحكم الأبيض في جنوب إفريقيا.

وخلال تصريحٍ صدر في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، رحّب وزير الخارجية مايك بومبيو بـ «أيّ جهودٍ من الحكومة العراقية لعلاج المشكلات المستمرة في المجتمع العراقي»، مع الدعوة إلى تخفيف «القيود المفروضة مؤخراً على حرية الصحافة والتعبير»، مُضيفاً أنَّ «حرية الصحافة ملازمةٌ للإصلاح الديمقراطي».

والبرنامج الاقتصادي والسياسي الذي يحتاجه العراق سيتطلَّب مشاركةً أعمق من الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والكيانات الدولية المُحايدة الأخرى. وسلك تلك الطرق هو ما سيطرد إيران وغيرها من الدول التي لها مصلحةٌ في بقاء النظام الحالي المُعطَّل. ولكن في حال أراد المُتظاهرون طرد الكل لعدم رضاهم عن الجزء؛ فسترى طهران وداعش في انهيار الحكومة فرصةً للتحرُّك.