//Put this in the section

منظمة العمل الشيوعي.. مراجعة تاريخية ودورها في “جمول”

مسعود محمد

منذ العام 1982 وفي نفس الموعد 16 أيلول كل عام، نحتفل بذكرى إنطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ويتم تذكر شهداء وأسرى وجرحى الحزب الشيوعي دون أن يتطرق أحدنا الى نضالات فصيل أساسي آخر، أطلق المقاومة بالشراكة مع الحزب الشيوعي، وهي منظمة العمل الشيوعي، هذا العام وفي ذكرى تحرير بيروت ومناسبة تجديد المنظمة لدمائها عبر عقد مؤتمرها الرابع، قررت كسر القاعدة والحديث عن رفاق السلاح والقضية للحزب الشيوعي اللبناني، رفاق قاتل مقاومي الحزب الشيوعي معهم جنبا الى جنب حمى أحدهم الآخر وأطلق قادة حزبيهما الشهيد جورج حاوي ومحسن إبراهيم تلك المقاومة معا حيث ذيلا البيان بتوقيعيهما، تواصلت مع سكرتير المكتب التنفيذي لمنظمة العمل الشيوعي، زكي طه الذي رحب بالحوار بصدر واسع وتحمل أسئلتي ونقاشاتي معه لأكثر من ساعتين عبر الهاتف فكان الحوار التالي:




 

كيف كانت الأجواء في منظمة العمل عشية الإجتياح الإسرائيلي والتحضير لإطلاق المقاومة الوطنية؟

كانت أجواء تعبئة، إجتمع من تواجد في بيروت من اعضاء اللجنة المركزية، وأخذوا القرار بالتحول نحو العمل السري ومقاومة الإحتلال الاسرائيلي، علما إنه كان هناك إجتماعات تنسيقية بين قيادة المنظمة والحزب الشيوعي، للنقاش حول وجهة المرحلة الجديدة، للتنسيق حول كيفية التعاطي المشترك بشأنها. والتوجه العام كان بين الأمينين العامين محسن إبراهيم والشهيد جورج حاوي هو الدفع نحو وحدة اليسار لمواجهة المرحلة الجديدة، وأن تعمل المنظمة والحزب الشيوعي كجسم واحد في مواجهة الإحتلال. وطُرح جديا سؤال حول إذا ما لم يتحد الشيوعيين حول مقاومة الإحتلال، وفي ظرف مصيري كالذي مر فيه لبنان في تعرضه للعدوان الإسرائيلي، فمتى يمكن لهم إذا توحيد صفوفهم؟

كان الإحتلال فرصة لإعادة تقييم الأوضاع والإتجاه نحو الوحدة. هذا كان المبدأ الأول الذي تم التوافق عليه وهو وحدة الصف، وتم التوافق على أنه في اللحظة المناسبة سيعلن قرار مقاومة الإحتلال. وصدر القرار التاريخي بعد إجتياح بيروت، وكان هناك إتفاق على ترتيبات مشتركة بين الحزب والمنظمة للتواصل بين الأمينين العامين، وتوليت أنا هذا الموضوع من طرف المنظمة ، ومن طرف الحزب الشيوعي تولى الموضوع الرفيق مصطفى أحمد.

يوم 16 أيلول 1982 أطلق البيان الشهير لإعلان جبهة المقاومة الوطنية الموقع من قبل الأمينين العامين محسن إبراهيم والشهيد جورج حاوي، ذاك البيان الذي أراد المقاومة شاملة لبنانية صرفة، ينخرط فيها لبنان بكل ألوانه وطوائفه. حيث توجه بذلك الى كل اللبنانيين في أحد فقراته.

“يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات.
أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً حراً مستقلاً.
إلى السلاح استمراراً للصمود البطولي دفاعاً عن بيروت والجبل، عن الجنوب والبقاع والشمال.
إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه.
أيها اللبنانيون،
إن واجب الدفاع عن الوطن هو أقدس واجب. إن شرف القتال ضد المحتلّ هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطني أن يفاخر به.
فلتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين كافة، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الإيديولوجية والطائفية والطبقية، في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسراً للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم.”

من كان يومها مسؤول عن جهاز المقاومة حينها في المنظمة؟

كان هناك لجنة مكلفة بقيادة العمل المقاوم، وموزعة  بين بيروت والبقاع، والجنوب. وكانت مهمة تلك اللجنة إعادة تنظيم عمل المنظمة والمقاومة وفق الظروف الموضوعية الجديدة ومقتضيات قتال العدو الإسرائيلي، وتنظيم العمل العسكري المباشر بصيغة مجموعات فدائية.

متى نفذت المنظمة أول عملية عسكرية؟

عشية 16 أيلول في طلعة شحاده،  وكورنيش المزرعة والحمرا، والعديد من العمليات تزامنا مع عمليات نفذها أيضا  مقاتلوا الحزب الشيوعي، ونفذت في الساعات الأولى لدخول العدو الى بيروت حتى لا يشعر بالأمان والراحة ويشعر بإهتزاز الأرض تحته من اللحظات الأولى، ولا يراهن على بقائه في البلد دون إعتراض.

كيف تلقى الرفاق أمر العمليات الميداني؟

قبل إسبوع من دخول إسرائيل الى بيروت تم  تنظيم المجموعات والرفاق الذين سينخرطون بالعمل المقاوم، وتم ذلك بشكل سري، وكان هناك منازل ومخابىء جٌهزت لهذا الموضوع، وكان في حينها يتم تشكيل المجموعات العسكرية وفق توزيع جغرافي يغطي أوسع دائرة جغرافية. بعد صدور القرار الشهير بالمقاومة كان الرفاق  يعرفون مهامهم، وجاهزين لتنفيذ أوامر قيادة المقاومة بحماس مطلق،  انطلاقاً من وعيهم العميق لأهمية هذا العمل والقرار التاريخي في ظل تآمر عربي، ودولي، على لبنان، وفلسطين، وقضية العرب المركزية، بدا الأمر وكأنه مغامرة إنتحارية، إلا أنه كان قرار نابع من إيمان عميق، بصوابية المعركة. خلال 48 ساعة كانت النتائج مذهلة وبدأت البيانات حول تنفيذ العمليات تصدر تباعا، وتنشر في وسائل الإعلام في الصفحة الاخيرة لجريدة النهار والصفحة الاولى لجريدة السفير.  فيما جريدة النداء   تنشرها مانشيت في صفحتها الاولى .. ترافق بيان العمليات، بتصريح يومي لمحسن إبراهيم الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنية اللبنانية، ومنظمة العمل الشيوعي، وكانت التصاريح اليومية، تدعو للمقاومة والصمود والثبات. وهذه التصاريح  كانت توزع على النهار والسفير وهي  مكتوبة بخط اليد ، واعتقد ان النائب السابق باسم السبع يحتفظ بها في ارشيفه الخاص وهو كان حينها نائب رئيس تحرير جريدة السفير.

لماذا لم تتكلم المنظمة عن دورها في المقاومة، رغم أن دورها كان محوري؟

كنا نسعى للعمل وليس لتسويق عملنا وكنا نحاول حفظ الصف، سقط لنا أول شهيد في عمليات المقاومة وهو مهدي مكاوي، وتم إعلان ذلك بعد خمسة أشهر. وهو إستشهد بعملية في منطقة كاليري سمعان  ضد القوات الإسرائيلية وأصدر المدعي العام العسكري أسعد جرمانوس في حينه، على أثر العملية، دعوة ضد مجهول بتهمة المس بالأمن القومي، حيث كانت السلطة حينها  تتنصل من العمل المقاوم بقدر ماكان يحرجها وهو يخالف توجهاتها، لم نستطع بسبب الجو العدائي من قبل السلطة حينها حتى تشييعه، فشيعته عائلته بصمت، وصلى عليه أحد الشيوخ الغير معروفين لخوف الآخرين من الأمر، ودفن في مقبرة الشهداء، دون أن يأخذ حقه، كأول شهيد للمقاومة الوطنية ضد الإحتلال الإسرائيلي.

وهذا يفسر لنا كيف يمكن لعميل من عملاء، لحد عامر فاخوري أن يدخل الى البلد بأريحية، فالخلاف بيننا نحن الوطنيين، وبين أولئك الذين طيفوا المقاومة، وبين من يطلقون صفة (المبعدين)، على العملاء هو هوية لبنان، فلبنان بالنسبة لنا هو وطن نهائي للجميع دون تمييز ووجهه عربي، بينما بالنسبة لهم، هو  اوطان طائفية أو بلد الأقليات، تحمل هويات لاحصر لها تبدأ من  الفينيقين مروراً بكل الذي مروا أو أقاموا أو لجأوا اليه، بما فيها الهويات الدينية والطائفية التي تنتهي في السعودية وايران، ولا ضير من تبعيته لهذا النظام او تلك الدولة.

دخل نظام الاسد الدكتاتوري الى البلد تحت شعار حماية الأقليات  ومنع تقسيم لبنان وادار حرباً اهلية  شرعت الابواب لكل انواع التدخلات الخارجية من الدول الشقيقة الى الاعداء.. فالنظام العربي في حينها قرر أن يجهض حركة التغيير في لبنان  فوضع البلد تحت وصايته عبر قوات الردع العربية التي انتهت سورية، واغتيل على يدها زعيم الحركة الوطنية الشهيد كمال جنبلاط، ولا حقا بإقفال الطريق على عمل المقاومة الوطنية اللبنانية، ومنعها من الإستمرار بعملها المقاوم بوجهها الوطني، وخلق آلية جديدة  لتسهيل تطيفه  برايات شيعية وإسلامية،  كي يوظف في خدمة سياسات تسترهن البلد خلافاً لمصالحه الوطنية وتجعله وسيلة لتبرير وصايتها عليه. والتشكيك بقدرته على حكم نفسه  من خلال اعادة انتاج انقساماته الاهلية  وتنظيم الصراعات بينها.  وفي هذا السياق يقرأ اغتيال القادة اللبنانيين ومنهم الشهيد جورج حاوي ، بهدف  تصفية  الأرث المقاوم ذو الطابع الوطني الشامل، الرافض لكل أشكال الطائفية والتبعية للخارج، والمتمسك بلبنان وطن نهائي ذو وجه عربي لجميع أبنائه.

تحررت بيروت ونادى الجيش الإسرائيلي يا أهالي بيروت لا تطلقوا علينا النار نحن خارجون، ما كانت الخطوة التالية للمنظمة؟

خلال إحتلال بيروت في 24 أيلول خطف رفيقنا عدنان حلواني، عضو المكتب السياسي من رأس النبع، وهو كان مسؤول عن لجنة تنظيم صمود بيروت خلال فترة الحصار، ولم يزل مخطوفا الى اليوم، وتتحمل السلطة اللبنانية حينها تلك المسؤولية وهي مطالبة بالإجابة عن من خطفه، وما هو مصيره. خلال العمل على تحرير بيروت عملنا على إعادة تأهيل وتدريب الرفاق على العمل المقاوم فهناك فرق كبير بين قتال الجبهات الكلاسيكي، وعمليات الفدائيين.  فقمنا بتنظيم عملنا خارج بيروت وتم توزيع الأسلحة على الرفاق، في كل المناطق من صور الى بنت جبيل الى مرجعيون الى العرقوب وصولا الى صيدا والجبل. وإنتشرت المجموعات وبدأت بتنفيذ مجموعة من العمليات ولدينا أرشيف لتلك العمليات. نحن رفضنا الدخول بالمنافسة الاعلامية حول دور المقاومة الوطنية التي اجبرت على الانكفاء ولم تتمكن من استكمال التحرير. كنا نرى الاهمية في انجازه ولا ينتقص من اهميته انه  تحقق عل يد سوانا.   خلال فترة مقاومتنا إعتبرنا أن كل العمليات تصب تحت عنوان واحد وهو “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، وهذا كان الأهم بالنسبة لنا عملا بشعار وحدة الشيوعيين واليسار والمقاومين مهما اختلفت هوياتهم. رفضنا الدخول بعملية حصر إرث.  إلا أن دورنا على مدى ثلاث سنوات في العمل المقاوم معروف للقاصي والداني ولم يكن هامشياً. وكان هناك مناطق يكاد يكون العمل فيها حكر على مقاومي المنظمة  وهذا مرتبط بمناطق إنتشار المنظمة في مرحلة ما قبل الإجتياح فحيث كان لنا تنظيمات، تحرك رفاقنا ونفذوا العمليات، ضد العدو دون تردد، دون أن ننكر دور الآخرين بما فيهم الفلسطينيين، الذين نفذوا الكثير من العمليات  التي أعلنت تحت راية “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”. ولقد إعتقل لنا في معتقل أنصار كمنظمة عمل أكثر من مئة وخمسين رفيق ورفيقة،  عدا مئات الأصدقاء بتهمة الإنتماء للمنظمة، وهذا يدل على حجم الخسائر الذي سببته المنظمة لقوات الاحتلال من خلال عملها المقاوم، وكان من بين المعتقلين  في الجنوب العديد من الكوادر الاساسية، ومنهم الرفيق “عصمت” المسؤول عن تنظيم العمل المقاوم في الجنوب.

هل كان محسن إبراهيم يتحرك حينها في بيروت وأين كان مقره؟

أثناء الحصار كان الرفيق محسن بحركة دائمة يوميا، وإنتقل من مكتب المجلس المركزي للحركة الوطنية في الكولا الى  مار الياس في مكتب المحامي سنان براج  أحد اركان العمل الوطني في بيروت،  الذي تحول الى غرفة عمليات. وكانت إجتماعات القيادة المشتركة مفتوحة تتنقل بين المقرات  والملاجىء  في مختلف الاحياء بما فيها منزل الشهيد كمال جنبلاط. في حينها دار الكثير من جلسات النقاش حول مغادرة منظمة التحرير لبنان، حيث تباينت المواقف وتوزعت بين رفض المغادرة والصمود وبين استحالة البقاء في ظل الصمت العربي المطبق والعجز الدولي بما  الاتحاد السوفياتي. فكان النقاش صعب حينها وإتخذ القرار بعد نقاش طويل إما أن تغادر القيادة كلها أو تصمد نموت معاً داخل بيروت، وكان المشهد يبدو تآمرياً  لنفض اليد من القضية الفلسطينية، وكان هناك رغبة لدى بعض القادة للخلاص من القيادة الفلسطينية  عبر دعوتها للبقاء والصمود  في بيروت حتى الموت، وتحميلها مسؤولية افعالها و خياراتها، وفي هذا المعنى كانت برقية القذافي لعرفات التي قال له فيها ” لو كنت مكانك لما إنسحبت من بيروت”. عندما صدر قرار الإنسحاب جرى نقاش طويل وصعب بين القيادات الفلسطينية حول وجهة القيادة الى أين تذهب؟  ياسر عرفات كان حاسما بعدم الذهاب الى أي بلد عربي، ورفض أن يعطي هذا الشرف لأي رئيس عربي، لشعوره بالخيانة والخذلان، وكان قراره بالمغادرة الى مقر الجامعة العربيبة وذهب الى تونس كونها مقر للجامعة، التي نقلت الجامعة اليها عقب إتفاق كامب دافيد. وكان لياسر عرفات  عبرمقابلات اعلامية العديد من التصاريح السياسية الاعلامية   أن وجهته ستكون القدس كمؤشر الى متابعة النضال ورفض الاستسلام، فيما اختار قادة آخرون ، أبو صالح، أبو موسى، جورج حبش، نايف حواتمه، الذهاب الى دمشق وسط شكوك عميقة وارتباك عام حول المرحلة القادمة في ظل تشتيت قوات الثورة  وتوزيع مقاتليها في البلدان العربية القريبة والبعيدة.

في موضوع العلاقة مع النظام السوري منظمة العمل من التنظيمات التي خاضت المواجهة مع النظام السوري، ولم تتراجع لحظة واحدة في كل تاريخها في مواجهة النظام السوري، وكانت الأثبت على هذا الموقف ما هي خلفية العداء للنظام السوري؟

خلفية هذا الموقف تاريخية فنحن رأينا في نظام حافظ الأسد سنة 1970 إنقلابا أميركيا، ضد القيادة الشرعية للنظام في سوريا، وهي قيادة حزب البعث رئيس الجمهورية نورالدين الأتاسي، ويوسف زعيم رئيس الوزارة، وإبراهيم ماخوس وزير الخارجية حينها، وهؤلاء كانوا مع نظرية الكفاح المسلح، الثورة وتحرير فلسطين بقوة السلاح، ودعم الثورة الفلسطينية. كان وزير الدفاع حينها حافظ الأسد، وأثناء معارك أيلول الأسود التي أجهز فيها النظام الأردني على منظمة التحرير الفلسطينية، رفض حافظ الأسد وزير الدفاع حينها أن ينفذ قرار القيادة السورية بنجدة الفلسطينيين في الأردن، وجمع  المقاتلين الفلسطينيين الذين إنسحبوا من إربد ونقلهم الى الحدود اللبنانية- المصنع، بواسطة شاحنات الجيش السوري، وبعد اسابيع قليلة نفذ إنقلاب  اطلق عليه “الحركة التصحيحية، وأطاح برفاقه وزج بهم في السجون، وبقي نورالدين الأتاسي سجينا سياسيا لمدة 28 عاما، رافضا الإعتراف بشرعية حافظ الأسد، حركة الأسد تلك  هدفت لتقييد نشاط  المقاومة الفلسطينية  في سوريا  ومنع العمليات وحصرها في لبنان، وهذا يفسر تماما سكون الجبهة السورية. هذا الإنقلاب، وكان يهدف ايضاً  الإمساك بالورقة الفلسطينية وتحويلها الى ورقة بيد النظام السوري، تحت عنوان بناء الجبهة الشرقية، التي تضم لبنان وسوريا والأردن، ومن ضمنها الورقة الفلسطينية.  في هذا السياق حمل لبنان كل أعباء الوجود الفلسطيني المسلح، ونحن كمنظمة عمل شيوعي كنا نرى حينها في القضية الفلسطينية رافعة تاريخية، لكل الوضع العربي، ليس من أجل تحرير فلسطين فقط، بل من أجل إقامة أنظمة عربية، تحررية، تقدمية، وهذا كان توجه المنظمة ومن خلاله تعاملنا مع الجميع بما فيهم النظام السوري، الذي استشعر خطورة هذا التوجه في لبنان، فقرر تصفيته، ففي العام 1975 في أواخره الى شباط 1976  وجد فرصة سانحة  للامساك بلبنان  من بوابة الحرب في لبنان، وإنتقل الى لعبة خلق التوازن فيما بين الجبهة االلبنانية، والحركة الوطنية ، وعمل جاهدا على منع إنتصار  الاخيرة لقطع الطريق امام امكانية  التغيير في لبنان، حتى لا يكون نموذجا للتغيير في بقية الدول، ففي هذه المرحلة أسقطت تل الزعتر، والجبهة اللبنانية زارت سوريا، وطلبت الوحدة مع النظام السوري، والنجدة منه والدعم، وصولا الى اجتياح  قوات النظام السوري البقاع  في 6 حزيران عام 1976، لضبط الحركة الوطنية، والإمساك بالورقة الفلسطينية، والخطاب الشهير للأسد الأب الذي قال إنه دخل لبنان لإنقاذه من التقسيم وحماية المقاومة، وأكمل مشهد إطباقه على لبنان،  من خلال محاولة الامساك بالقرار الوطني اللبناني،  الذي انتهى بقتل قائد حركته الوطنية كمال جنبلاط. لذلك كان عدائنا للنظام السوري ثابتا، فهو  نفذ استرتيجية  قدمت خدمات جليلة للسياسة الاميركية الداعمة لاسرائيل، عبر التضييق والمحاصرة  للثورة الفلسطينية، وكل نفس تحرري وطني، رافض للإستسلام، وينادي بتحرير فلسطين، وبناء أنظمة تقدمية وطنية.

في تشرين الثاني عام  وفي اعقاب الاجتاح الاسرائيلي 1982، تم حل  الاطار التنظيمي للحركة الوطنية بقرار من رئيسها وليد جنبلاط، وامينها العام التنفيذي محسن، والسبب إطلاق يد وليد جنبلاط للدفاع عن الجبل في وجه الهجمة الكتائبية الاقتلاعية،  كي لاتتحمل الحركة الوطنية عبىء حرب طائفية، وكان وليد جنبلاط، بحاجة لحرية الحركة  دفاعاً عن طائفته ووجودها في مواجهة الهجمة الكتائبية، التي كانت مستقوية بالإحتلال الإسرائيلي. مما لم يبقى أمام وليد جنبلاط  إلا حل واحد وهو الرد على الهجمة من موقع طائفي، ومن هنا كانت شراسة حرب الجبل فهي كانت حرب وجود بالنسبة للطائفة الدرزية حينها، في وقت كانت فيه القوى المسيحية تسعى الى تغيير وجه لبنان والسيطرة عليه، والحاقه بالزمن الإسرائيلي..  اعترض في  حينها جورج حاوي على هذا القرار إلا أن القرار كان صدر. علماً أن  الحركة الوطنية  كانت تفككت وتوزعت قواها  منذ الايام الاولى للاجتياح  وقبل ان تغادر قيادات منظمة التحرير الفلسطينية  بيروت.  ولم يبقى من قيادات تلك الحركة سوى جورج حاوي ومجسن إبراهيم. فالتجأ البعض الى السفارات الصديقة، أما الاكثرية من تلك القيادات، اصبحت مقرات اقامتها فنادق دمشق.  مع العلم ان الاجتياح لم يلق في الجبل مواجهة تذكر.

في ظل هذا الإنهيار  للقوى الوطنية هل كان قرار المنظمة والحزب الشيوعي بالمواجهة إنتحار أم قرار واعي بعد مرور الزمن كيف تقيم ذلك القرار؟

بكلمة واحدة كان قرارا تاريخيا اعاد تصويب البوصلة، واكد بعكس ما كان يسوق له حينها أن إسرائيل عدو وليس فاعل خير او خادم لبعض الطوائف او الميليشيات.  وكان القرار تأكيد لرفض اي سلام او  تفاهم معها على حساب القضية الفلسطينية. الخيار الوطني الوحيد كان حينها أن تقاوم الإحتلال، وتمكنت المقاومة من إنزال هزيمة مدوية بالعدو الصهيوني، وهو ما عجزت عنه الأنظمة العربية المتخاذلة. لم يكن هناك خيار آخر كان الخيار الوحيد، وأقول لك ان القرار لم يكن شعبيا حينها، فبيئة المناطق التي كانت تسمى وطنية حينها كانت بيئة منهكة، متعبة من الحرب الأهلية الدائرة فيها، الإجتياح الإسرائيلي تزامن مع قتال داخلي في الجنوب فيما بين القوى اليسارية  والفلسطينية وحركة أمل، كنا نخسر تواجدنا في القرى، لأن حركة أمل حينها رفعت شعار خروج المقاتلين من الجنوب، فخاضت معارك مع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية لهذه الغاية، وقد شكل ذلك خدمة للجبهة اللبنانية ومشروع بشير الجميل  في اخراج  منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. وإمتدت المعارك الى الضاحية الجنوبية، فنحن عشية الاجتياح  لم يكن باستطاعة كوادرنا وقياداتنا الذهاب الى الضاحية الجنوبية وكانوا مهددين بالتصفية. عندما بدأت غارات العدو الصهيوني تركت حركة أمل مواقعها في الضاحية الجنوبية، وأخلت الحواجز، مما سمح لنا بحرية الحركة بإتجاه  محاور الضاحية القتالية بوجه القوات الاسرائيلية، بهذا المعنى كانت مناطق الجنوب والضاحية بيئة منهكة وغير مرحبة بوجودنا، وكان المزاج العام في تلك المناطق بسبب الإقتتال الداخلي فليأتي الإسرائيلي ويريحنا من الفلسطيني، وكل المتحالفين معه، وليس صدفة أن يستقبل العدو الإسرائيلي في العديد من قرى الجنوب بنثر الأرز على قوات الإحتلال.  اذا أتى الإجتياح بالنسبة لهم كمخرج من المأزق.

ماذا مثل لكم إنتخاب بشير الجميل بالنسبة للقرار الوطني اللبناني؟ وكيف تم التعامل مه هذا الموضوع؟ وهل كنتم موافقين على إغتيال بشير الجميل؟

أولا علينا أن نعترف أن إنتخاب بشير الجميل جرى وسط احتضان دولي وقبول عربي ودعم إسرائيلي، كان بشير الجميل يحظى بدعم عارم في دويلته التي بناها في مناطق سيطرته، وكان هناك موافقة دولية، وأوروبية، على إنتخابه، بالإضافة الى موافقة عربية، وفي هذا الإطار أتى الإجتياح الإسرائيلي، فهو لم يأتي من فراغ كان  هناك جو  سياسي عام،  تسوق له اميركا يدعو  للخلاص من منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. ومن هنا كان قرار إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية قراراً تاريخياً، بعكس التيار المؤيد او المتبني لاسرائيل. بهذا المعنى كان قرارنا تأكيد  شرعية مقاومة إسرائيل، والقتال لتحرير فلسطين، ورفض الإنصياع للمؤامرة ضد الشعب الفلسطيني. إنتخاب بشير الجميل جاء تتويجا لمسار تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، فهو كان رمز مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية مدعوما من قبل كل تلك القوى. هذا الإنتخاب كان سيضع لبنان تحت هيمنة سلطة فاشية، وقوة الإحتلال. عجز بشير عن توقيع إتفاق سلام مع إسرائيل، وهذا ماسهل  إغتياله بعد رفع الغطاء  الامني الاسرائيلي عنه. لم يكن في حساباتنا  ان نخطط  لإغتياله او اننا كنا نرغب بحدوث ذلك، إلا أن ذلك الإغتيال وجه ضربة حاسمة لمشروعه. المشروع كان تجديد الهيمنة المارونية السياسية بصيغة أخرى، إلا أنه لم يستطع أن يجد له شريكا مسلما لتوقيع سلام مع اسرائيل، فكان أفق مشروعه مسدود. ازاحته  من المشهد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة اختلطت فيها الأوراق من جديد، وفتح الافق لإمكانية تسوية في البلد. لذلك رفضنا ادخال المقاومة الوطنية في ذاك الجدل السياسي وقلنا أن العمل الوحيد أمام تلك المقاومة هو مقاومة الإحتلال، وتوحيد الصفوف، فالمقاومة هي الطريق الوحيد لإعادة توحيد لبنان وإقامة الديمقراطية وليس المفاوضات مع اسرائيل التي لم نوافق عليها ولا على ما نتج عنها من اتفاق  جرى اسقاطه لاحقاً.

المحصلة العامة لهذه المقاومة الوطنية كانت تحرير بيروت، وفرض الإنسحاب على العدو من الجبل والبقاعين الأوسط والغربي، من صيدا والزهراني وقسم كبير من النبطية وقسم من منطقة صور، وأجبرت العدو الإسرائيلي على الإنكفاء الى الشريط الحدودي، وجزين. هذا المسار الوطني الوطني التوحيدي، حوصر بالحرب الأهلية، فحرب الجبل كانت مستمرة،  فيما كانت المقاومة الوطنية تنفذ عملياتها ضد الإحتلال الإسرائيلي في الجبل،  كان القتال دائراً حينها بين الحزب التقدمي الإشتراكي، والقوات اللبنانية، وكان هناك قتال في شرق صيدا ضد القوات اللبنانية التي استباحت المدينة  ثم حاصرتها  وحاولت اغتيال ابرز قيادتها الوطنية القائد مصطفى سعد.

كان هناك مسارين، الحرب الأهلية والمقاومة الوطنية، في النهاية المسار الذي غلب هو مسار الحرب الأهلية، مما أجهض المشروع الوطني، وسهل عملية تطييف العمل المقاوم ضد اسرائيل، مما يتناسب مع اجندات طائفية واقليمية دعمت هذا التوجه  وجعلته نافذاً. ، أصبحت المقاومة إسلامية في خدمة مشروع سوريا وإيران في المنطقة. حوصرت المقاومة الوطنية تحت وطئة مسألتين ضغط النظام السوري لتحويل المقاومة الوطنية الى ورقة بيده وتمت المواجهة بالرفض المطلق،  لذا عمد اجهزة النظام السوري في البقاع الى التضييق على كل المقاومين، وتم إعتقال العشرات من قياديي الحزب الشيوعي وكوادره، لإجبار الحزب على التسليم بأن تكون الإمرة والقيادة في المقاومة الوطنية لسوريا، وكذلك ضغط على المنظمة إلا أن الطرفين رفضا الخضوع. عندما فشل النظام السوري بإخضاعنا نحن والحزب الشيوعي  تم تسهيل ودعم  تطيف المقاومة وجعلها إسلامية شيعية، تخضع لأجندته وأجندة إيران بعد تفاهم سوري إيراني، كان المطلوب تطويع حزب الله فتم تنظيم حرب شيعية شيعية شملت الضاحية وإقليم التفاح وصولا الى بعلبك والهرمل وغيرها من المناطق، ومن ثم نفيذ النظام السوري مجزرة امام  ثكنة فتح الله في بيروت العام 1987، والتي فعلها غازي كنعان بحق عناصر الحزب من اجل  ان تصبح سوريا شريكا  في قرار المقاومة، مقابل  الخدمات التي يقدمها لايران، التي كانت بحاجة الى سوريا كمعبر لها، باتجاه لبنان. لتصبح المعادلة الجديدة، إيران تمول حزب الله والسوري شريك في القرار والتوجهات  بموضوع الصراع مع إسرائيل بما يخدم مصالح الطرفين.  ترافق ذلك مع التضييق علينا لإيقاف عمل المقاومة من قبل المنظمة والحزب الشيوعي، فكان رفاقنا يعتقلون، ويطلق على ظهورهم النار،  أثناء توجههم لتنفيذ العمليات، من قبل أمل وحزب الله بتهمة تخريب الأمن الوطني. فوجدنا انه لم يعد باستطاعتنا متابعة العمل المقاوم فقررنا التوقف. ولكن هذا لا يعني أن حزب الله لم يقاتل فهو كان محتضن من قبل الطائفة الشيعية، وقدم مئات الشهداء، إلا أننا إختلفنا في  المشروع وتحديد الهدف، نحن كنا نريد مقاومة وطنية محتضنة من كل الطيف اللبناني، حزب الله أنتج مقاومة شيعية محتضنة من طائفتها الشيعية، أولا وآخرا مقاتلي حزب الله هم أبناء تلك القرى والمدن الشيعية، تم تأطيرهم  بقوة الإيديولوجيا  الدينية والولاء لولاية الفقيه. الخلاف كان في الإيديولوجيا وطبيعة وهوية الوطن، وشكل المقاومة، وهوية المنتمين اليها سياسيا. عند تقييم التجربة ومساراتها  لا بد من القول اننا كنا  حالمين بالثورة والتقدم. اصطدمنا بالواقع الصعب وتحدياته، فتقلصت أحلامنا وحوصرت.

حملنا السلاح من أجل فلسطين، ورأينا في قضيتها  رافعة تحررية تتجاوز   فلسطين ولبنان  وتقيم انظمة وطنية ديمقراطية في البلدان العربية. هُزمت الثورة وحُوصرت قضية فلسطين، لكن شعبها لم يزل صامداً وثائراً.  استغل العدو الصهيوني انقسامات اللبنانيين حول الهوية والوطن. فاجتاح البلد واحتل قسما كبيراً منه.  أطلقنا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، كجواب تاريخي على الاحتلال الاسرائيلي.  انجزنا الكثير لكن التحرير استكمل بقوة تضحيات مقاتلي حزب الله، المحتضن اهلياً والمدعوم خارجياً. الانقسام الطائفي اسر التحرير وعطل مفاعيله الوطنية.

مشروعنا للتغيير بواسطة الحرب الاهلية هزمته حروب الطوائف ومشاريعها  التي تستقوي بالخارج وترتبط به، على مقايضة وقف القتل والتهجير والدمار بتجديد النظام الطائفي، بقرار دولي ودعم عربي. وهو النظام الذي ما زال يحكم البلد، بقوة آليات المحاصصة التي تأسر اللبنانيين، في دائرة التخلف والانقسام، و خطر تجدد الحرب الأهلية والإرتهان للخارج، فتوقفت الحرب الاهلية بقرار دولي –عربي وتم  تجديد نظام المحاصصة الطائفية. المنتج للحروب والصراعات التي تمنع تطور البلد .

على ماذا راهنتم في مؤتمركم الرابع الذي عقد مؤخرا؟

نحن نرى في المبادرة التي أقرها المؤتمر خطوة اساسية على طريق التجديد ليسار ديمقراطي علماني، قادر على قراءة أزمة البلد. يسار يميز هدف التغيير، عن الاخطاء في تجربتنا  دون الخشية من تحمل  مسؤولية الاقرار بها والاعتذار عنها، هذا مصدر حصانة واساس لاستعادة الثقة بنا،  الهدف محاولة شق طريق معاكس، لمسارات الانقسامات الأهلية الطائفية وإعادة بناء كتلة شعبية تؤطر الفئات المتضررة في حقوقها ومصالحها، وتحويلها قوة ضغط  في مواجهة الطبقة السياسية المتسلطة على الدولة باسم حقوق الطوائف. ومعارضة سياساتها المنتجة للأزمات والكوارث، وفرض سياسات بديلة، تبعث الأمل بإمكانية بناء دولة وابعاد خطر انفجار الإقتتال والإرتهان  للخارج، وكي لا يبقي البلد ساحة  مرتهنة لمسارات الحروب المدمرة، التي لا تنتهي والمدارة أمريكياً ودولياً واقليمياً، كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا. في الوقت الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية لاشد مخاطر التصفية. الرهان بالنسبة لنا  يكمن في محاولة تجديد التزام أهداف ومبادىء التقدم والحداثة والتحصن بالديمقراطية والعلمانية الرحبة والتمسك بالحقوق والمطالب المشروعة والسعي لتحقيقها وإعادة بناء موقعنا الاجتماعي ودورنا النضالي كيسار، وهو خيارنا الوحيد الذي يجدد الامل بالمستقبل.

****************
نص النداء لاطلاق المقاومة الوطنية  في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي:

“إن العدو الإسرائيلي يستأنف جريمته النكراء وسط الرعاية الأميركية نفسها التي تميزت بالخداع المكشوف والرخيص والتي أظهرت خلالها الولايات المتحدة الأميركية أنها القائدة الفعلية للعدوان عسكرياً وسياسياً ضد لبنان وشعبه، ويكشف التذرع بجريمة اغتيال المرحوم الشيخ بشير الجميل للقيام بهذا العدوان الغادر على بيروت الوطنية مسؤولية إسرائيل وأميركا عن جريمة الاغتيال كما يؤكد مدى خطورة الأهداف المجرمة التي يحملها المخطط الأميركي الإسرائيلي ضد لبنان، وحدة وكياناً ومصيراً.
إن أميركا وإسرائيل لا تريدان لبنان بلداً موحّداً مستقلاً حراً سيداً وديموقراطياً.
إن أميركا وإسرائيل ستتابعان تنظيم الدسائس والمؤامرات لتفرقة شعبنا وتقسيم بلادنا وتجزئتها تأميناً لسيطرة مديدة لهما على لبنان، وعبر لبنان على سائر الأقطار العربية المجاورة ….

لتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين كافة، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الإيديولوجية والطائفية والطبقية، في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسراً للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم.”