//Put this in the section

عون يتجرع كأس الحريري دون باسيل؟

سابين عويس – النهار

يحتفل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالذكرى الثالثة لانتخابه رئيسا بفعل تسوية سياسية أسقطها طرفها الاساسي الآخر الرئيس سعد الحريري بعد استقالته تحت وطأة شارع ملتهب وساخط من أداء سياسي واقتصادي ومالي، وفساد أوصل البلاد الى الانهيار والإفلاس.




خرجت استقالة الحريري، بتوقيتها ومضامينها، عن كل السياق الذي وُضع فيه هذا الخيار، بدءا من شارع غاضب اطلق شعار “كلن يعني كلن”، من دون استثناء، وصولا الى شركاء التسوية الذين فاجأهم خروج الحريري عن “النصيحة” التي بلغت حد التهديد بعدم إسقاط الحكم، على قاعدة أن قرارا كهذا لا يملكه إلا من يمارس السلطة، انطلاقا من ان “الامر لي”، وكانت إطلالتا الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر في أقل من أسبوعين كفيلتين برسم سقوف معادلة الحكم عبر ٣ لاءات: لا لإسقاط العهد، لا لإسقاط الحكومة، ولا لانتخابات نيابية مبكرة.

كسر الحريري باستقالته واحدة من تلك اللاءات، فاتحا بذلك سلسلة تساؤلات ظلت حتى ساعة إعلان الاستقالة مجرد تكهنات حول سيناريوات ما بعد الانتفاضة الشعبية. أما اليوم فالتساؤلات والهواجس باتت تتمحور حول مرحلة ما بعد قلب الطاولة. فقرار الاستقالة استجاب لمطلب الشارع، ولكن من خارج أي تفاهم مع أركان السلطة، شركاء التسوية، الذين قابلوا الاستقالة بانزعاج بلغ حد الاستياء لخروجه عن التفاهم، ولا سيما أن الحريري كان تلقى أكثر من نصيحة من رئيسي الجمهورية والمجلس بالتريث تمهيدا للتوصل الى مخرج للازمة. ومعلوم أن زوار السرايا كانوا نقلوا ما هو أبعد من النصيحة، وصولا الى التهديد.

وجاء موقف مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي بوصف الحراك الشعبي بالشغب، وباتهامه الولايات المتحدة الاميركية ودول المنطقة بدعم تلك التظاهرات، ليعكس البعد الاقليمي الطاغي، خلافا لمحاولة المتظاهرين لبننة تحركهم انطلاقا من الخلفية اللبنانية البحتة لمطالبهم وأوجاعهم.

حتى اللحظة، لا يزال الغموض السلبي مسيطرا على المشهد الداخلي في كل أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية، بحيث يسود الترقب والحذر لما ستكون عليه آفاق المرحلة المقبلة في ضوء أكثر من معطى، أولها التدخل المباشر للمرشد الذي أكد الانطباع أن التدخل لا يقف عند البعد الاقليمي للأزمة اللبنانية بعدما ربط مسارها في شكل واضح بمسار الازمة العراقية، وانما سببه تقديم جرعة دعم مباشرة الى “حزب الله” العاجز عن التعامل مع التظاهرات الشعبية، بعدما كسرت هذه التظاهرات محظورات في الشارع الشيعي.

وبدا من تأخير إعلان رئيس الجمهورية موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة، حاجة فريقه بقيادة الحزب الى مزيد من الوقت لقراءة متأنية في أبعاد الاستقالة وخلفياته، تمهيدا لحسم الخيار حول المرشح الذي سيسميه الحزب وهذا الفريق لترؤس الحكومة المقبلة، بقطع النظر عن شكلها وحجمها. فالحزب اليوم أمام خيار من اثنين، التوجه الى حكومة اللون الواحد من خلال تسمية شخصية سنية من حلفائه، او العودة الى القبول بالحريري على رأس حكومة العهد الثانية.

ومع امتعاضه الشديد من استقالة الحريري رغم نصيحته له بالتريث، لما اكسبته اولا من تعاطف شعبي استعاد به جزءا لا بأس به من جمهوره، بعد عزلة وضعه فيها الحزب إثر استقالته الملتبسة من الرياض في تشرين الثاني 2018، وامتعاضه ثانيا من خروج الحريري عن الخط الاحمر الذي رسمه السيد حسن نصر الله بمنع استقالة الحكومة، ما اكسبه كذلك صدقية واستقلالية عن قرار الحزب، لا يميل فريق العهد الى الذهاب نحو حكومة اللون الواحد، مدركا المخاطر والأكلاف الباهظة التي سترتبها عليه سياسيا واقتصاديا وماليا. وإذا كان رأس هذا الفريق، أي “حزب الله”، لا يمانع في عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، فتبقى المشكلة عند رئيس الجمهورية وفريقه ومدى قدرتهما على تجرع كأس الحريري مجددا على رأس الحكومة، من دون وزير الخارجية جبران باسيل الذي يقول العارفون إنه السبب الذي دفع الحريري الى الاستقالة.

وعليه، سيكون العهد في النصف الثاني من ولايته، على ما تقول مصادر مطلعة، أمام حريري جديد من خارج التسوية، غير الحريري راعي التسوية وعرابها، بفعل الدعم الذي يحظى به، وللمفارقة، من الحزب نفسه، لاكثر من سبب: اولها الغطاء الخارجي الذي يوفره له من خلال شبكة علاقاته الدولية التي تؤمن للبنان حصانة دولية وتقيه شر العزلة والتضييق والعقوبات، وقد اختبرها الحزب اخيرا خلال اسبوعي الانتفاضة.

ولأن الحريري يشكل واجهة جيدة للغرب، فهو ايضا قادر على احتواء الازمة المالية ورفد الاقتصاد والمصارف بالاموال المعقودة للبنان دوليا، باعتبار انه، بقطع النظر عن كل الحسابات الاخرى، يبقى الممثل الاول لطائفته، وعنصر الثقة الاقوى للاقتصاد.