//Put this in the section

هل يقود جعجع الإنتفاضة من الخلف؟

مجد بو مجاهد – النهار

تنظر فئة من مناصري الأحزاب السياسية المشكّكة في عفوية الانتفاضة اللبنانية وصدقيّتها الى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على أنّه قائد “الثوّار” الخفي على صورة “أبو كفيّة” – شخصية تنكّرت بزيّها فيروز في فيلم “بنت الحارس” – الذي افتعل حركة تمرّد وشغب أرّقت نفوس أعضاء بلدية كفرغار. ينسى المشكّكون أو يتناسون أن كفرغار الرحبانية التي كانت تنعم بالأمن والبحبوحة ولم تحتج فعلاً الى شرطة بلدية، لا تشبه لبنان 2019 الغارق في أزماته المالية والاقتصادية والاجتماعية حتى الثمالة. لم تحتج الانتفاضة الى “أبو كفية”، أيا تكن هويته، ولا يمكنه أصلا، أيا يكن، أن يقود ملايين اللبنانيين المقيمين والمغتربين الى الساحات، وهنا تأتي التساؤلات التي طرحها الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في قوله “لماذا لا تحددون قيادات؟ هل هناك قيادة حقيقية للحراك؟ أنا أقول لكم نعم، قيادة غير ظاهرة وغير واضحة وغير معلنة، لماذا لا يعلنون عن أنفسهم؟”، في إطار الأسئلة الحائرة أو الماكرة، رغم توق كثر من وجوه الحراكات المدنية المستفيقة من سباتها وخلافاتها، الى تزعّم المشهد وتسلّقه.




وفي خلاصة مشهدية الانتفاضة، أنه الى جانب المواطنين المستقلين الذين نزلوا، كان ثمّة حزبيون في المناطق ذات الغالبية المسيحية، أو مناصرون “قواتيون” وكتائبيون تماهوا أيضاً مع مناصري “التيار الوطني الحرّ” الذي جالوا الشوارع وعبّروا عبر الاعلام وشكّلوا جزءاً من مشهدية الانتفاضة وتلاحموا مع جيرانهم وأبناء مناطقهم في مشهدية أعادت الى الأذهان شعار “أوعا خيّك” على الأرض. ولا يعتبر الانصهار العوني – “القواتي” المطلبي على الأرض، خارجا عن الطبيعة، ويحكى في صالونات سياسية أن مناصري “التيار الوطني” كما نوّابهم وكوادرهم، لا ينتمون الى مدرسة الباسيج التي اقتحمت وسط بيروت ونكلّت بالحجر والبشر، وأصدق مثال على ذلك الاعتداء على مركزية “التيار” في ميرنا الشالوحي العام الماضي، الشبيه بما حصل في ساحة الشهداء. ويبرز في إطار متّصل، ما يقوله مصدر سياسي مراقب، انه لا بد لـ”التيار الوطني” أن يحسم أمره في القضايا المفصلية بدلاً من اعتبار نفسه خارج إطار محوري الثامن والرابع عشر من آذار. ومقاربة المشهدية تستدعي القول، وفق المراقب نفسه، إن جعجع، وإن يكن قادراً على تحريك جونيه “فرضاً”، لا يستطيع تحريك النبطية وبنت جبيل وكفررمان وبعلبك.

ولكن، بالعودة الى الدور الذي اضطلعت به حزب “القوات” في الانتفاضة، تستدعي المعالجة الموضوعية الاعتراف بتمايزٍ ما وثقل شكّله حضور مناصريه على الأرض وثقل الكتائبيين في المناطق المسيحية. ويكمن التمايز هنا في حضور المناصرين المنظّم، وإن يكن تنظيماً عفوياً. وقد عمّمت رسائل صوتية عبر تطبيقات الهواتف الذكية بين مناصري أحزاب عدّة وأقاليمها ووحداتها، تدير العملية التنظيمية لقطع الطرق وحشد المنتفضين، وإن تكن قرارات مماثلة غير صادرة عن أوامر حزبية ولم تتّخذ مباشرةً من قيادات الأحزاب أو مسؤوليها.

السؤال الأبرز: كيف تقارب “القوات” مسار الانتفاضة؟ في مقاربة أوساط بارزة في معراب، إن الأمور أخذت المسار الطبيعي بين رؤية الناس ورؤية “القوات” المعبّرة عن الموقف السياسي، انطلاقا من النظرة الوطنية الى الامور المبدئية السياسية الوطنية. ولا يندرج خيار الاستقالة من الحكومة في إطار المغامرة، بل كان خطوة متخذة انطلاقاً من المواقف الثابتة والاقتناع “القواتي” الراسخ الذي حذّر قبل سنوات من وصول الوضع الاقتصادي الى ما وصل اليه. وترى الأوساط أن المرحلة المقبلة مشوبة بالتحديات والضغط الذي يجب أن يستمر للوصول الى حكومة اختصاصيين انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية. وتشاطر “القوات” الشعب رأيه وتنصح بعدم تأخير تشكيل حكومة التكنوقراط أو العودة الى حكومات من طبيعة سابقة أو الرهان على أن الانتفاضة انتهت، ذلك أن أي رهانات من هذا النوع خاطئة.

هل ستشارك “القوات” في تسمية الوزراء طارحةً اسماء معينة؟ تأتي الإجابة بأن “القوات أعلنت بوضوح عدم المشاركة في أي حكومة سياسية، مع الحرص على تسمية وزراء تكنوقراط ذوي مسار تاريخي مشهود لهم بكفايتهم، ولا يتأثرون بضغوط سياسية، وأولويتهم إنقاذ البلاد ونقل تجربتهم الناجحة الى المضمار العام. وستكون “القوات” شريكاً في التأليف والتكليف ولها دور ومساهمة في إنتاج حكومة من هذا النوع.

وهل تتجدّد مشهدية الانتفاضة إذا لم تشكل حكومة على قدر الطموحات؟ في رأي معراب، إن من يراهن على تعب الناس مخطئ، ولا يمكن العودة الى ما قبل 17 تشرين، فهناك تبدلات في لبنان ولا يمكن إضاعة الوقت الذي ليس لمصلحة السلطة. والاحتكام الى الاعتصام قرار للشعب وليس لـ”القوات” باعتبارها جزءا من الناس، ومن المؤكد أن هؤلاء سينزلون الى الشارع اذا لمسوا محاولة لضرب الانجاز المحقّق. وفي المعلومات أيضاً، أن معراب ترى أن الرئيس سعد الحريري هو الأولى بالتشكيل اذا حمل عنوان الاختصاصيين، انطلاقا من العلاقة مع “تيار المستقبل”، علماً أن الاولوية تكمن في تشكيل الحكومة الانقاذية واتخاذ خطوات اصلاحية ومن ثم الاتفاق على برامج أخرى.

برزت في الأيام التي رافقت الانتفاضة تهديدات مبطنة لـ”القوات” ورئيسها ومنها من لوّح بعدم تمتّعه بالحصانة النيابية. تعتبر “القوات” أن منطق الوعيد قديم، ودخول جعجع السجن كان في ظل ضوء أخضر من النظام السوري الذي كان يدير السياسة اللبنانية من دمشق، أما اليوم فالنظام نفسه فقد سلطته داخل بلاده، فيما يدخل لبنان في زمن آخر قال فيه اللبنانيون لـ”حزب الله” إنهم لا يخشون 7 أيار جديداً.