//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

الجبين أعلى من كل الجبال – سمير عطاالله – النهار

كل ما يحدث، سابقة، لا تفسير لها: طرابلس تنضم الى الجمهورية اللبنانية وهي تغني وترفع العلم. وساحة البرج تجمع اللبنانيين القادمين من كل الجهات أكثر مما جمعت يوم لم تكن هناك ساحة سواها. والثائرون يقفون على مدى لبنان، وليس بينهم وجه ظهر في صورة من قبل. كل الوجوه الشائعة خجلت، أو خافت.

ما ومن يمكن أن يعبىء كل هؤلاء البشر ويدفع بهم الى الشوارع والساحات؟ دعك من التفسيرات المسطحة و”المحلل السياسي”. هذه الاعداد المغنية لا يكفي أي جوع لابقائها على الطرقات الليل والنهار، ولا أي محرِّض، ولا مليون سفارة، هذه جموع فاض بها الخوف على كرامتها وبلدها وآخر ما تبقى من فئات النهش والنهب وحزام العفة.




يروي سعيد تقي الدين أنه تزعم يوماً تظاهرة راحت تكبر شيئاً فشيئاً، ولما وقف يخطب في الجماهير، أرعبه المشهد، فمضى عائداً الى بيته. ليس سهلاً أن تقف بين الناس، واحداً من آلاف، لا تعرفهم ولا يعرفونك، يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة. ليس سهلاً ان تقنع هؤلاء جميعاً ان قضيتهم واحدة، الجوع لا يكفي لحمل المتظاهرين على حمل أطفالهم على أكتافهم، لا يخافون من تدافع مفاجىء، أو حادث، أو مأجور.

الذي وحّد هؤلاء البشر هو شعورهم بالغربة على أرضهم. طبقة سياسية لا تتحدث لغتهم، ولا احساس لها بحقوقهم، ولا مشاعر لديها بأي شيء. طبقة متشابكة بينها، متفائلة في ما بينها، متواطئة في ما بينها، حول سمسرات واحدة، براً وبحراً وجواً وسدوداً تحصد شجر لبنان. وبقايا خضرته ودمعة حياته.

للمرة الأولى منذ مجاعة الحرب الكبرى حكى اللبناني عن الجوع. لكن الجوع ليس إهانة، ولا ذلاً. الذل ان يلتفت السياسيون حولهم ليبحثوا عن المزيد في خزائنه الخاوية. لولا هذه الوقاحة واللجاجة واللحاحة التي لا سابقة لها، لما كان هذا الخروج الذي لا سابق له، على رموز التهافت والانهيار.

جماهير غير مسيَّسة، غير ايديولوجية، تولد فجأة من رحم القهر والهدر والازدراء. في الانتخابات السابقة قال الوزير جبران باسيل إنه يعلن من كسروان عامية طانيوس شاهين. وها هي تعلن نفسها في كل بقعة، من الهرمل الى الضنية. ليس على ملصق انتخابي، بل على بحر من اعلام الجمهورية. تلك هي لحظة الحقيقة التي تؤرخ بها قيام الدول وقوة الشعوب. قبل ان ندخل سنة المئوية وسيل الذكريات، أعلن لبنان قيامته بين ساحة الشهداء ورياض الصلح وبشارة الخوري وجسر فؤاد شهاب. جمهورية لا عامية.

ماذا بقي من لبنان 1940 نحتفل به؟ ترك لنا الانتداب الفرنسي دستوراً مثل دستورهم، وجامعة مثل جامعتهم، ومستشفى مثل مستشفاهم، وسكة حديد مثل خطوطهم، وميناء مثل موانئهم، وجيشاً وطنياً على نموذج جيشهم، وصحفاً مثل صحفهم، وبرلماناً مثل جمعيتهم الوطنية.

لو كانت لدينا اليوم خطوط حديد لكان كل لبناني يسكن في بلدته. ولو كان لدينا دستور لكان كل لبناني يقطن في مواطنيته لا بين الاقدام المتعجرفة. وعلى خُلق الجامعات والمراكز الفكرية التقى الدكتور سليم دكاش والدكتور فضلو خوري الراقي في الشوارع. وكم كنت اتمنى لو ان الحركة منعت البذاءة والنعوت والسفاهات. ثمة فارق بين المعارضة والعداء. وللشباب الحق في تغيير السلطة السياسية، لكن ليس لهم الحق في الغائها. يقول مغرد الفرنسية رولان بارت إن الغاء الآخر هو من طبائع البورجوازية الصغيرة التي لا يمكن ان تطيق أحداً إلا نفسها، ولا تتصور الآخر إلا جزءاً منها.

من هنا ديكتاتورية الجماعة بدل ديكتاتورية الفرد، أو اكمال لها. كان أندريه غروميكو، أشهر ديبلوماسي سوفياتي، يقول “إن عشر سنين حوار أفضل من عشر ساعات حرب”. وكنت أتمنى لو ان الحراك لبّى على الفور، ودون شروط، دعوة الرئيس ميشال عون الى اللقاء والحوار. لا يجوز لفرد، أو مجموعة، في ساعات مصيرية مثل هذه الساعة، رفض مبدأ التخاطب. قد لا تكون الخطوة هي كل شيء، لكنها خطوة في إطار الدستور، واقرار من الدولة بالبحث في المطالب والحقوق. أما ترك البلد معلقاً في المطالب، فهو شرعي لكنه غير جائز. يجب أن نبدأ من نقطة ما، وهذه النقطة هي حيث صاحب القسم.

كل شيء قابل للحوار إلا الكرامة البشرية. وإذا كان بعض السياسيين قد امتهن ازدراءها واحتقارها، فلا يلزم أحد أحداً. رحلة في عالم التفشيخ وانتهت. في الوطن والمهجر، مغتربو وزارة الخارجية لم يجلسوا هذه المرة في القاعات الزاهية، بل على العشب في مدريد وبوسطن ولندن وباريس وهولندا وسائر “الدياسبورا”، كما اصبحنا نسمي مهاجرينا بالاسم الذي يطلقه اليهود على شتاتهم منذ سبي بابل.

بلا لافتات. بلا ملصقات. بلا عروض مسرحية وأضواء هوليوودية، كتب نحو مليونين ونصف مليون شاب، الميثاق الوطني الجديد. كرروا في ساحة رياض الصلح “لا ممر للاستعمار ولا مقر”. وتركوا الباقي دون كلام ودون فصاحات وقواميس بالية. يد واحدة من الشمال الى الجنوب من غير ان تعرف هوية جارك. أي كلام يمكن ان يشرح هذه القيامة التي لم يتوقعها احد، ولا حتى صدَّقها أحد، ولا شاهدها أحد من قبل. فجأة يصبح بلد الطوائف بلد العقول والأفئدة، طائفته الحرية والكرامة الإنسانية. يتذكر شبابه وهم يقومون الى دوام عزة النفس أن الجبين أعلى من كل الجبال.

لن يقبلوا بعد اليوم ان “يشملوا” أمام مواكب الفجور التي تزيحهم عن الطرقات بوحشية. لا “زورو” يطير فوق رؤوسهم. لا وزراء يزيد فريقهم على “جند المئة” كما في الانجيل. تعالوا نبني وطناً أفضل وأعقل لأبنائكم ولأبنائنا. الملايين الذين هتفوا وبكوا وغنوا ليسوا أصحاب مطالب، كما قالت كلوديا مرشليان، بل أصحاب حقوق. لبنان وطن، لا شركة. فهذه قد يكون فيها غش وخسارة وافلاس. هذا وطن نملكه جميعاً. جمهورية عمرها مئة عام، لا عامية طافرة وطائفية. جمهورية بكل قيمها وتقاليدها وحضاراتها.