//Put this in the section
علي حمادة - النهار

قبل أن يجرفكم التاريخ – علي حماده – النهار

يعلّمنا التاريخ درسا ثمينا، هو أن المسؤول عندما لا ينصت الى صوت الشعب، متجاهلا الغضب و إرادة التغيير الجذري ، فان هذا التاريخ يجرفه. الصورة واضحة، والرسالة أكثر وضوحا، فقد قال الشعب كلمته، فلا بد من الإنصات له واحترام إرادته العارمة. هكذا تبدو الصورة اليوم بعد أسبوع على اشتعال موجة الغضب، وتحولها الى ثورة عارمة في كل البلاد، وهكذا تبدو الصورة بعدما تجاهل المسؤولون ولاسيما في أعلى الهرم مشاعر الناس، وواجهوها بورقة تقنية باردة، ثم حاولو العودة الى ممارسة يومياتهم وكأن شيئا لم يحدث، فإذا بالناس يطالبون بما يتجاوز تلك الورقة الاقتصادية (بصرف النظر عن مضمونها) ويوقولون إن الثمن المطلوب ليس استفاقة متأخرة لملاقاة جزئية لمطالب الناس، وإنما المطولب ثمن سياسي حقيقي يكون بتغيير الحكومة. بمعنى آخر، لا بد من استقالة الحكومة وتشكيل أخرى تكنوقراطية مختلفة تكون مؤلفة من اختصاصيين نزيهين، والتحضير للذهاب الى تغيير شامل عبر انتخابات مبكرة بقانون انتخابي مختلف، يفتح الباب امام قيام مجلس نواب يدخله دم جديد، ويكون مقدمة لتغيير في أعلى الهرم، أي ان التغيير يجب ان يحصل على كل المستويات. فالازمة ليست ازمة حكومة فحسب، وانما أزمة عهد أيضا، يقترب من منتصف عمره، وقد هرم وتشتت، وبات في غربة تامة عن نبض الشارع.

لقد سقطت الحكومة في الشارع قبل أن تقدم استقالتها، وسقط العهد معها قبل أن يكمل سنته الثالثة، وسقطت معهما هيبة الحكومة والقيادات والزعامات التي كانت حتى الامس القريب تعيش في برج عاجي.




لقد كان على العهد وبطانته أن ينصتا الى صوت الشعب الهادر، وكان على الحكومة بدءا من رئيسها ان تعي ان ثمة زلزالا لا امل في مواجهته بأوراق ولا بخطب باردة، ولا حتى بإجراءات متأخرة ولدت على عجل، فالمسألة اكبر من ذلك بكثير، والاعتماد على ضمان “حزب الله” ومن معه لإجهاض ثورة بهذه القوة والامتداد لا يكفي، انما هي وصفة سحرية لانفجار شامل. من هنا نقول إن المطلوب اليوم صدمة إيجابية كبيرة تمنح الناس شعورا بأنهم يغيرون تاريخ وطنهم، ويغيرون وجوها باتت محروقة في الشارع. المطلوب كما قلنا منذ اليوم التالي لبدء الثورة استقالة الحكومة، على ان تكون منظمة ومسؤولة، تعقبها ولادة حكومة تكنوقراط مصغرة، لتبدأ مسيرة التغيير المطلوب.

إن تجاهل مزاج الشارع ستنجم عنه مضاعفات خطيرة، وسيؤدي الأمر الى ارتفاع سقف المطالب، وبعد أيام لن تعود استقالة الحكومة واستبدالها بأخرى ذات صدقية كافية لإخراج الناس من الشارع، ولا بد أن نكون أمام خيار نسف شامل لكل التركيبة في الشارع، بما يفتح الباب أمام احتمالات عقد “تسوية” ما في مكان ما لقلب الطاولة على الجميع، وبموافقة “حزب الله” الذي يمكنه في لحظة ما أن يتخلى عن حماية العهد، والحكومة ورئيسها، ويصعد الى سفينة يلبس ربانها البزة المرقطة!

إن نصيحتنا للرئيس سعد الحريري بأن لا ينصت لاصوات تزين له انه يمكن الخروج من الازمة بلا ثمن سياسي ممكن، ولرئيس الجمهورية بأن يستفيق من سباته العميق، ومن استسلامه لحماقات الوزير جبران باسيل، وتملق بعض البطانة الكاذبة، ليخفف قدر الإمكان من وقع السقوط المريع الذي ما عاد بعيدا، وللسيد حسن نصرالله بأن يتصرف بعقلانية وبلبنانية صافية لأن الشارع الذي خرج في كل مكان ليس عدوا، ولا يواجه بالقوة والنار، وإنما بالاحتضان.

ان التاريخ لن يرحم اهل الحكم، تماما كما لم يرحم من سبقوكم.