//Put this in the section

غلطة «حزب الله» القاتلة؟ -محمد كريشان – القدس العربي

«ممنوع إسقاط العهد».. هكذا أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في إشارة واضحة ليس فقط لرفضه أن يتوّج التحرك الاحتجاجي الحالي في لبنان بإزاحة رموز الحكم والتوق لتغيير مجمل المعادلة السياسية القائمة في البلاد منذ عقود، وإنما أيضا في تلميح بالكاد يخفي تهديدا بامكانية التدخل لوقف غضبة الشارع إذا ما تواصلت.

وعندما انتشرت قبل يومين مقاطع فيديو عن انتشار كبير لدراجات أنصار لـ«حزب الله» و«حركة أمل»، في شوارع بيروت لم يكن ممكنا اعتبار ذلك سوى استعراض للقوة لتخويف المتظاهرين ودفعهم لإنهاء تحركهم ومغادرة ساحات الاعتصام.




إن «حزب الله» بموقفه أولا من احتجاجات اللبنانيين الحالية، وثانيا بتحركه الاستعراضي لأنصاره ضد التيار الشعبي السائد إنما يبدو وكأنه يتوق للاستلهام بشكل أو بآخر من تجارب كل من نظام بشار الأسد في سوريا وحكم الملالي في إيران وجزء من الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، مع كل الفروق المعروفة بين هذه الأطراف في درجة القمع الذي تعاملت به مع التحركات الغاضبة التي شهدتها في الفترات القريبة الماضية.

في سوريا، تجاوز «حزب الله» الوقوف السياسي والإعلامي مع نظام الأسد لينخرط معه في محاربة شعبه بدعوى الوقوف مع أحد أركان «حلف الممانعة» في المنطقة بعد الوعي بحجم «المؤامرة» التي يتعرض لها، أما في إيران والعراق فلم تكن طهران ولا بغداد في حاجة لأي مدد من هذا الحزب فقد تصرفتا، كل بطريقته الخاصة، في إخماد الاحتجاجات الشعبية الغاضبة بعد فترة لم تدم طويلا. أما لبنان فقضية أخرى مختلفة تماما، الحزب هنا في مواجهة شعبه وتلك طامة كبرى.

الملفت في تحركات اللبنانيين الأخيرة أنها كسرت القيد الطائفي الذي كبّلهم لعقود فلم يعد المسيحي يرى غضاضة في إدانة ميشيل عون وجبران باسيل وسمير جعجع وسليمان فرنجية ولا المسلم السني في إدانة سعد الحريري ونجيب ميقاتي وغيرهما ولا المسلم الشيعي في إدانة نبيه بري وحرمه وعدد من الوزراء الشيعة، في حين لم يُـقترب بعد على نطاق واسع جهارا نهارا من حسن نصر الله، إما لخوف أو لبقية تقدير ما زال قائما رغم أنه يترنح. لقد ارتفعت أصوات ساخطة في جنوب لبنان وفي معاقل شيعية أخرى ضد الفقر والحرمان والتهميش والغلاء مع تنديد قوي وصارخ بالفساد الذي استشرى في كل مفاصل الدولة وفي كل الطبقة السياسية بلا استثناء، بما في ذلك الشيعية التي بنت أصلا خطابها السياسي عند الانطلاق على أساس الدفاع عن الفقراء والمحرومين.

إذا ما أصر «حزب الله» على توجهه المعادي للاحتجاجات ومضى قدما في ذلك سياسيا وإعلاميا وحتى أمنيا في النهاية، وإذا ما أخذته العزة بالإثم فوق ذلك فانبرى يدافع بكل قوة، خاصة عبر أمينه العام، عن هذا التوجه معتبرا أنه هو الأصوب والأصح، فإنه بذلك يجازف ليس فقط باستعداء قطاع واسع من الشعب اللبناني، وقد سبق له أن فعل في محطات عديدة سابقة، وإنما أيضا باستعداء حاضنته الشعبية نفسها فيكون بذلك كمن يضع إصبعه في عينه.

وكما حصل في العراق وتكرّس تدريجيا مع السنوات، بدأ الشيعي اللبناني يشعر بأن قادته ليسوا بأحسن حال من غيرهم ممن يمقتونهم لفسادهم وقلة اهتمامهم بهموم الناس ومشاكلهم. هنا لا معنى لمواصلة الدفاع عن هؤلاء أو تنزيههم في حين يتجه أبناء الطوائف الأخرى للتحلل من هذه العباءة التي أعاقت حركتهم لعقود، قبل أن تتعرّى مجمل الطبقة السياسية الحاكمة التي اتضح أن بعضها يغطي فساد بعضها الآخر ويقايضه ويبتزه به وكل ذلك على حساب بقية الناس بطوائفها المختلفة.

توحّدُ جميع الطوائف في لبنان ضد المتاجرين بهم والمتحصنين استهدف جميع الرموز السياسيين بلا استثناء، وأي قراءة لقيادة «حزب الله» تعتقد أنها محصنة من هذه الموجة وأنها ستظل إلى الأبد بمنأى عن هذه العاصفة إنما هي قراءة خاطئة ومُضللة ويمكن أن تكلفها الكثير سواء اختار المناكفة السياسية للمتظاهرين ومطالبهم المشروعة أو لجأ إلى ما هو أسوأ وهو مواجهتهم وقمعهم.

ما يجعل من «حزب الله» وقيادته في وضع أسوأ من البقية هو أن عددا من القيادات السياسية البارزة استطاعت أن «تنحت» لنفسها موقفا غير متصادم مع جموع المحتجين، رغم أنهم جميعا من المغضوب عليهم من قبل هؤلاء. بدا وليد جنبلاط متعاطفا مع المتظاهرين، متبنيا لبعض مطالبهم خاصة في ما يخص جبران باسيل الذي نجح في تأليب الجميع ضده، وكذلك سمير جعجع من خلال استقالة وزرائه من الحكومة، فيما خرج سعد الحريري الأكثر تفهما وحرصا على التناغم مع الشارع الغاضب العابر للطوائف. ومع ذلك، لم يشفع ذلك لكل هؤلاء فما استطاعوا أن يحوزوا على رضى أو غفران هذا الشارع فما بالك بحزب الله إن هو انحاز ضدهم وتوجه بعنجهية إلى ترهيبهم وتخويفهم وصولا إلى قمعهم. وإذا ما تأكد هذا المنحى فعلا على الأرض فإن الحزب يتوجه إلى غلطته الأخيرة وربما القاتلة.