//Put this in the section
راجح الخوري

ثورة الشعب وممسحة الدولة! – راجح الخوري – النهار

لم يتعرض شعب في التاريخ للمهانة ومحاولة الإذلال والتجاهل كما تعرض الشعب اللبناني في الأيام التاريخية الأخيرة، ولم تعرف السلطات والحكومات تعالياً وتعامياً عن مطالب الناس ومشاعر المواطنين كما فعلت السلطة اللبنانية، التي بدت وكأنها من عالم آخر او في عالم آخر.

الحديث عن الإصلاحات والقرارات الإصلاحية التي إستمع اللبنانيون إليها، ستبقى مجرد خرافة وإستغباءً للناس، لسبب واضح ومعروف وهو يشكل بذاته إستهبالاً للمواطنين، لان المستوى السياسي المفلس في البلد، والذي صنع العمى، لا يمكنه قط لا ان يصنع الرؤية ولا حتى ان يكون كحلاً في العيون، وما قيل سيبقى ذراً للرماد في عيون شعب فتح عينه بشكل مختلف هذه المرة، وبعد كل مراحل التنكيل والإذلال والقمع والحقن الطائفي المذهبي الذي حاول ان يقتل روح لبنان!




غريب ان لا يعي المسؤولون ان روح لبنان الوطن حي وينبض في هذا الشعب الرائع، فلم يسبق في التاريخ ان خرج نصف الشعب من حروب ووصايات عليه منتفضاً رافعاً علماً واحداً هاتفاً: انا لبنان الشيعي والسني والمسيحي والدرزي والعلوي، انا لبنان الوطن المقموع أنهض من رماد الفتن والتهديد، رافعاً السوط في وجه الإفلاس والتبعية، في وجوه النهّابين والسرّاقين والذي أفلسوا البلد وذبحوا الأمل الذي ينهض من جديد.

غريب ان لا يفهم الذين في السلطة والمسؤولية معنى ان يتفجّر الغضب على ألسن أكثر من مليوني لبناني، هنا وفي أكثر من ١٨ بلداً في العالم، مطالبين بإستعادة حقوقهم المنهوبة وبأن يكون لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وغريب أكثر ان تخرج عليهم هذه السلطة بحقنة من البنج، وبقرارات الترقيع التي سمعناها، ليس لأنها كلها سيئة في مضمونها بل لأن الذين يفترض ان يطبقوها هم الذين صنعوا الكارثة، وكما قال أدوارد غبريال أيها الأذكياء: “لا يمكنكم تنظيف البيت بممسحة وسخة”، ولكن ها هي الممسحة الوسخة اياها التي أفقرت البلد منذ ثلاثة عقود، تقول إنها بصدد تنظيف البيت الوسخ! واذا كان في تعميم الفساد ظلم كبير كما يقول رئيس الجمهورية، فإن شيئاً واحداً كان يمكن ان يشكّل مدخلاً يمكنه البدء برفع هذا الظلم، وهو بالطبع ليس “رفع السرية المصرفية عن حسابات كل من يتولى المسؤولية حاضراً ومستقبلاً”… فماذا عن الماضي، ماذا عن الذين نهبوا المليارات، هل نحن أمام عفا الله عما مضى من السرقة والنهب، وهل ستتمكن آلية المحاسبة المقترحة من إستعادة المليارات المنهوبة؟

لقد انتصر الشعب وتخطى ألغام الطائفية والمذهبية، هذا مكسب عظيم وهذا تأكيد ان روح لبنان حي من الشمال الى أقصى الجنوب، وكان واضحاً ان المطالبة بتغيير العهد والحكومة، تمثل في نظر “حزب الله” إنقلاباً كاملاً على المستوى الاقليمي، وخصوصاً في ظل ما يجري في العراق، لكن مواجهة شعب كامل وتهديده مسألة خطيرة ودقيقة في ظل كل ما سمعناه، لأن الأمر يمكن ان يضع البلاد على حافة حرب أهلية، لهذا كان مهماً جداً في المناسبة حديث قائد الجيش جوزف عون عن العلاقة العضوية بين الجيش والشعب. محاذير كثيرة إنهارت: طائفية الناس، خوف الناس، هيبة السلاح الذي رفع في وجه الناس، كل الشعارات الخادعة عن البلد القوي وما الى ذلك… وانهارت سلفاً كل الورقة الإصلاحية، لأن المستوى السياسي الذي سينفذها هو الذي خرب البلد كما قلنا!

كلمة أخيرة الى صديقي الوزير وائل أبوفاعور: تقول أنكم غادرتم الجلسة لأنه لم يؤخذ برأيكم، صدقني كان الأفضل ان تغادروا الحكومة، لأنكم لن تغيّروا شيئاً من الداخل، أما إذا كنتم ضمناً تحرصون على عدم إنفجار البلد كما هو واضح، فإنه قد ينفجر إذا إستمر هذا الوضع!