//Put this in the section

من يروِّج لضرب صدقيّة أكبر احتجاج لبناني شعبي؟

سركيس نعوم – النهار

تلقّى صديق لـ”الموقف هذا النهار” ولكاتبه، وهو بالمناسبة عربيّ غير لبنانيّ لكن مُتابع بدقّة لأوضاع لبنان ربّما لتشابهها ومن نواحٍ كثيرة مع ما يجري في وطنه الأمّ، وبواسطة “الواتسأب” نصّاً طويلاً من جزئين. يشير الأوّل منه إلى أنّ السفارات الأجنبيّة أعطت الإشارة لبدء العصيان المدني في الشارع اليوم أو غداً، بعد المؤتمر الصحافي الذي يفترض أن يعقده رئيس الحكومة سعد الحريري بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء المُقرّرة في قصر بعبدا للبحث في مطالب غالبيّة اللبنانيّين بعد “اجتياحها” العاصمة والمحافظات الخمس الأصليّة بمدنها الكبرى والصغرى وبلداتها، ولإقرار غالبيّتها التي يُفترض في رأيه أن تهدئ الغضب الشعبي وتخرج الناس من الشوارع وتُعطي الحكومة والطبقة السياسيّة و”الصهر القوي” ومجلس النوّاب الفرصة لإثبات تجاوبهم الجدّي مع اللبنانيّين. ويشير النصّ أيضاً إلى وجود أربع خطط لـ”الفتنة” الموصى بها من السفارات الأجنبيّة كما سمّاها كاتب “الواتسأب”. تتضمّن الأولى مطالبة باستقالة الحكومة، إدخال مندسّين بين المتظاهرين مهمّتهم إطلاق النار عليهم، توجيه اتهامات عشوائيّة إلى “حركة أمل”، مطالبة “حزب الله”بتسليم الدولة سلاحه، والمطالبة بخروج النازحين السوريّين من لبنان فوراً”. وتتضمّن الثانية: “تحريض الشارع الشيعي على “حزب الله” لإحجامه عن الإنضمام إلى التظاهرات الاحتجاجيّة، الاعتداء على المسيحيّين في مناطقهم لاستغلال تفرّقهم السياسي وإشعال حرب بينهم، إنزال صور السيّد حسن نصرالله من شوارع الضاحية الجنوبيّة للعاصمة ومناطق في الجنوب والبقاع وتحطيمها وحرقها، الاعتداء على المواطنين في المناطق الشيعيّة من قبل شبّان ينتحلون صفات أمنيّة من “حزب الله”. وتتضمّن الثالثة: “تدمير مراكز لإدارات ومؤسّسات رسميّة، الاعتداء على عسكريّين، تعطيل شبكات الهاتف، إحراق وتدمير مؤسّسات خاصّة وعامة”. أمّا الخطّة الرابعة فتتضمّن: “استدراج “حزب الله” إلى الشارع وتوريطه في معارك داخليّة واعتقال شبّان ينتحلون صفات أمنيّة عناصر منه، وتدخل السفارات الأجنبيّة لفرض أو لإيجاد حلّ سريع في لبنان”. إلى ذلك يجري تداول تحليلات ومُعطيات يعتبرها مُطلقوها موثوقة تتّهم جهات أجنبيّة أو محليّة بتمويل الاحتجاجات التي بلغت أمس يومها السادس في كل لبنان، مُستندين إلى تزويد المشاركين فيها بالمياه وإلى تدخين بعضهم “الأراكيل” في أثنائها عندما تسمح الظروف بذلك.




هل من تعليق أو تعليقات على هذه الاتهامات؟

بداية أعتذر من كاتب النصّ لأنّه مثقّف ورصين وحريص وحيسوب، وإن كان صاحب موقف رغم عدم انتمائه إلى “حزب” وفقاً لمعلوماتي. فنصّه غير جدّي وغير مُتماسك رغم أنّ الناس إجمالاً يتداولون بعض مضمونه عند حصول أي حراك شعبي سياسي اجتماعي اقتصادي طائفي مذهبي. فالسفارات التي يمكن أن يتوجّه التفكير إليها عند قراءة النص تختصر باثنتين الأميركيّة والسعوديّة. فهل إدارة الأولى برئاسة ترامب التي غادرت سوريا أو تغادرها وتُبدي عدم اهتمام بالمنطقة إلّا في مقابل أموال وتبيع حلفاء صغار وكبار، هل هي “فاضية” للتخطيط والتنفيذ في لبنان ضد عدوّها “حزب الله” ابن عدوّتها إيران؟ فهي تُحاصرهما معاً بالعقوبات الشديدة وتترك للناس ولجماهيرهما محاسبتهما عندما يغمرهم الاستهداف ولا يعودون قادرين على تحمّله؟ وهي ليست في حاجة إلى التسبُّب بحرب أهليّة في لبنان تعرف أنّها لن تربحها بل عدوّاها، وأن من شأن ذلك زيادة التهديد لإسرائيل وربّما إخراجها (أميركا) من لبنان كليّاً رغم ما لها فيه من وجود. فضلاً عن أن ترامب مُنشغل بمواجهة محاولة عزل جديّة لأوّل مرّة، ومحاولة “تخسيره” الانتخابات الرئاسيّة وذلك لم يعد مستحيلاً. أمّا السعوديّة فمشغولة بتحوّلها الاجتماعي الداخلي، وبحربها في اليمن وفشلها فيها حتّى الآن، وبمحاولة درء خطر إيران المباشر عليها عبر حلفائها الحوثيّين. وهي مشغولة بالبحث عن طريقة لبدء حوار ما مع طهران والمؤكّد أن اجتماعاً على الأقل قد حصل بينهما في عمُان وعلى مستوى لم يعرفه أحد حتّى الآن. طبعاً قد تُعطي نصائح لكنّها قطعاً غير راغبة في قيادة مواجهة، ومساعداتها لمن يعتبرون أنفسهم حلفاءها في لبنان من زمان ومعهم الإعلام غائبة. وحليفتها الإمارات لا تبدو في وارد خضوعها لـ”استغلال” لبناني جديد، أوّلاً لأن المؤمن لا يُلدغ من “جحر قادته” مرّتين، وثانياً لأنّ على “كتفها حمّالَيْن” اليمن وإيران. أمّا “حزب الله” واستهدافه في التظاهرات فما يمكن قوله هنا هو أن قسماً مهمّاً من الشيعة الذين شاركوا في الاحتجاجات استنجدوا بأمينه العام وطلبوا منه فيه الانضمام إليهم مع مسيحيّين وسُنّة وإن بعدد أقل، وبلهجة فيها من الودّ والاعتراف بالجميل والقوّة أكثر ممّا فيها من الكره والحقد والتحدّي، رغم تخييبه إيّاهم وبلهجة غاضبة عندما قال: ممنوع إسقاط “العهد القويّ”، والمانع هو وحزبه. علماً أنّ كل الناس يقولون الآن ومنهم الشيعة وبعد التجربة المرّة مع باسيل: هلكتونا سنوات حتّى تنفّذوا وعدكم لعون بترئيسه. نرجو أن لا تهلكونا سنوات أخرى للحفاظ عليه وعلى هذه التركيبة الفاشلة في طول البلاد وعرضها. طبعاً تأذّى الرئيس نبيه برّي لكنّه محمي بـ”أمل” وبـ”الحزب” علماً أنّ ذلك لن يمحو الأذى. أمّا “الحركة” التي تأذّت فإن “الحزب” يحميها وإن… بعد عمر طويل.

لن ندخل في التفاصيل العملانيّة لـ”خطّة الفتنة”. فالمأجورون من كل الطوائف والمذاهب يمكن استعمالهم لضرب الاحتجاج. لكن اتهام مليون ومئتي ألف أو ربّما نصف مليون لبناني بقبض الأموال فمُعيب. فالمتموّلون هم المستهدفون بالاحتجاج مع مصارف ورجال أعمال وتجّار وشركات كبرى لأنّهم حقّقوا مع شركائهم السياسيّين أرباحاً فاحشة وعمّموا فساداً جعل طبقتهم الوسطى فقيرة وفقراءهم مُعدمين. فهل يموّل هؤلاء حراكاً يهدف إلى ضربه، وهم يعلمون أن ضربه مستحيل بسبب وحدة الحدّ الأدنى بينهم، وقبل ذلك بسبب وجود فريق سياسي – عسكري لا يستطيع أن يقف ضدّ الفقراء لأنّهم سبب انتصاراته ونجاحه. وهل استكثر أصحاب نظريّة التمويل على أصحاب حاجة استفادوا من الاحتجاج الواسع لبيع المشاركين فيه قناني مياه يبلّوا ريقهم فيها؟ وهل استكثروا على هؤلاء الأراكيل ولا سيّما عندما تخفّ الزحمة وتصبح “مهمّتهم” حراسة “الموقع” لاستخدامه في اليوم التالي. وهل قامت محلّات الأكل والحلويات بعيب عندما زوّدت المحتجّين بسندويشات أو بقطع حلوى؟

في أي حال لا يرمي هذا الكلام إلى استسهال الأمور. فالتحرّك الشعبي اللاطائفي العفوي والجامع لأوّل مرّة في تاريخ لبنان مهدّد بالخطر من الأحزاب والجهات السياسيّة التي ينتمي إليها المشاركون فيه، ومن الأحزاب والجهات المستهدفة منه والأخرى الخائفة منه ومن أصحاب الأجندات الإقليميّة والدوليّة الذين قد يستخدمون علاقاتهم الواسعة في البلاد إذا شعروا انها ذاهبة في اتجاه مُناقض لمصالحهم. وهنا تكمن الخطورة لأنّهم متناقضون وكذلك مصالحهم، ولبنان الشعوب لم يصبح بعد شعباً واحداً رغم التظاهرة الوطنيّة الأولى في تاريخه الحديث.

في أي حال لا يستبعد “الموقف” كما ورد فيه أمس عنفاً في حال رفض المحتجّون على تسوية وإن حظيت بموافقة الأقوى في لبنان. كما لا يستبعد مبالغة فيه لأسباب ودوافع كالتي ذكرها كاتب نص “الواتسأب”. لكن على اللبنانيّين أن لا يستبعدوا تنفيذ “سيّد”الأقوى تهديده بالنزول إلى الشارع وتغيير المعادلات. فهل له مصلحة في ذلك؟ طبعاً لبنان الآن في مأزق بل طريق غير نافذ والخروج منه ضروريّ لكنّه سيكون إلى طريق غير نافذ أيضاً.