//Put this in the section
سركيس نعوم - النهار

المؤسّسات الدستوريّة الـ3 سبب الاحتجاج ولاحقاً الفوضى! – سركيس نعوم – النهار

ما يشهده لبنان من أقصاه إلى أقصاه من نزول احتجاجيّ إلى الشارع، ومن قطع طرق وحرق دواليب ومواقف شعبيّة تغطّيها وسائل الإعلام على تنوّعها يتّهم أصحابها الحكومة بالفشل والعجز والفساد وإهمال مصالح المواطنين، ويدعون إلى رحيلها أو ترحيلها كان متوقّعاً منذ مدّة غير قصيرة. ذلك أنّها لم تقصِّر في تخييب آمال الناس الذين كانوا يظنّون، وإن مع شكّ مزمن جرّاء التجارب الحكوميّة الكثيرة الفاشلة في السابق، أنّها ستُعالج المشكلات التي يعانون وتجد الحلول لها. لكنّها لم تفعل. فمشكلة النفايات ظهرت بحدّة وقوّة أيّام حكومة الرئيس تمّام سلام وأنزلت الناس إلى الشارع وإن من دون خطّة واضحة مُنسّقة، لكن تمّ حلّها بمسكّنات موقّتة المفعول. وقد برزت من جديد مع الحكومة الحاليّة وتفاقمت وشملت لبنان كلّه. وتلوّث المياه السطحيّة والجوفيّة والنهريّة والبحريّة بلغ مستويات غير مسبوقة عالميّاً ليس فقط بفعل النفايات بل بفعل غياب الصرف الصحّي، واستسهال تحويل النفايات البشريّة إلى الأنهار والوديان والبحر ومعها النفايات الصناعيّة. وما كان ذلك ممكناً لولا جهل الحكومة ولولا تطنيش بعض أعضائها وإغماض عيون بعضهم الآخر وتواطؤ بعضهم الثالث من أجل مكاسب سياسيّة – انتخابيّة وفي الوقت نفسه ماليّة. هذا فضلاً عن تلوّث الهواء. وطبيعيّ أنّ ذلك كلّه “دهْوَرَ” صحّة المواطنين فازدادت نسبة إصابتهم بالأمراض من مُستعصيّة وغير مُستعصية، ولم تكن المستشفيات الحكوميّة الـ 38 التي يُفترض أن تُعالج غير الميسورين منهم وحتّى أبناء الطبقة الوسطى، والتي كادت أن تضمحلّ موجودة لمعالجتهم سواء لعدم وجود أدوية أو عناصر بشريّة كفوءة ومُتخصّصة أو لعدم وجود الآلات الضروريّة أو لعدم صرف رواتب العاملين فيها. كما لم تكن المستشفيات غير الحكوميّة على تنوّع مستوياتها جاهزة لمعالجة كل من يطرق بابها وخصوصاً بعدما صارت مُهمّة وزارة الصحّة في لبنان بل وزرائها ومن زمان توزيع موافقات الاستشفاء على الأزلام والمحاسيب من المُنتمين إلى طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم المتنوّعة. وطبعاً أدّى ذلك، مع غلاء الاستشفاء الخاص ومع محدوديّة الأسرّة فيه وبعض الفساد وبعض قلّة الرحمة وبعض الجشع كما عجز الدولة عن صرف المستحقّات لها، إلى موت المرضى من أطفال وبالغين على أبوابها لأسباب متنوّعة أهمّها عدم امتلاكهم المال الكافي. لكنّ الحكومة ليست وحدها المسؤولة عن كلّ المشكلات المُزمنة المذكورة أعلاه، وهي غيض من فيض، رغم أنّ فيها ومن كلّ الطوائف والمذاهب أعضاء استقتلوا لدخول الحكومة أو للبقاء فيها من أجل الاستفادة الماليّة، في مرحلة يحتاج لبنان فيها إلى تجديد بُناه التحتيّة المتنوّعة وإلى توسيع الذي لا يزال صالحاً منها. ويتمّ ذلك عبر صفقات مع الشركات. والأمر المُفجع هو أنّ اللبنانيّين صاروا يعرفون عندما يسمعون اسم شركة مؤهّلة أو مُرشّحة للتأهُّل لتنفيذ مشروعات بملايين الملايين من الدولارات أسماء الوزراء والنوّاب والكبار في الجسم السياسي والمالي والأعمالي الذين يتصرّفون كأنّهم وكلاء فعليّين لها وإن غير رسميّين.

فمسؤوليّة فشل الحكومة الثابتة بسبب “عُقم” عدد من أعضائها واستعمال عدد آخر الطائفيّة والمذهبيّة للمحافظة على الشعبيّة بالخدمات ولاكتساب المال بوسائل غير مشروعة. وهي ناجمة في صورة أساسيّة عن كونها مجلس نوّاب مُصغَّر بالغالبيّة الساحقة لأعضائه. ويعني ذلك غياب المحاسبة النيابيّة لأنّ أحداً لا يمكن أن يُحاسب نفسه الموجودة في مؤسّسة أخرى، ويعني أيضاً غياب السلطة التنفيذيّة التي يمثّلها مجلس الوزراء مجتمعاً. ويعني ثالثاً محاولة رئاسة الجمهوريّة السيطرة على السلطة الأخيرة هذه أو على الأقل اعتبار نفسها جزءاً منها. وذلك يفقد المتربّع على سدّتها صفة المؤتمن على الدستور ويصبح فريقاً توجّه إليه سهام سلطويّة كما سهام أخرى أشدّ إيلاماً وضرراً للناس، وخصوصاً إذا كان لديه فريق سياسي برلمانيّ مُهمّ هو مؤسِّسه وجمهور شعبي مُهمّ مؤمن به. ومن شأن ذلك تعطيل الدستور والدولة.




طبعاً من يستمع إلى المُحتجّين يُلاحظ انتماءاتهم الطائفيّة والمذهبيّة الواضحة، لكنّه يُلاحظ في الوقت نفسه وجعهم المُشترك ومطالبهم المُشتركة وشكاويهم المشتركة وهذا أمر مُهمّ شرط استمراره، وعدم نجاح المستَهدَفين بالاحتجاج – الانتفاضة في “فلش” بذور التفرقة بينهم. إلّا أنّ استمراره بالحجم الشعبي الحالي المُشارك فيه، ورغم نجاحه في قطع معظم طرق البلاد وإغلاق مصالحها، سيُمكّن المتضرِّرين منه من إنهائه وبلا نتائج. لذلك لا بُدّ من شموله قطاعات شعبيّة ومناطقيّة أكبر، ولا بُدّ من تلافي “منظمّيه” أو قياديّيه أي أمر يتسبّب بإشكال داخله أو بالاشتباك مع الناس ومع القوى الأمنيّة والعسكريّة. ولا بُدّ أيضاً من رفض وقفه قبل إقدام السلطة مجتمعة وممثّلة رسميّاً بالحكومة والمجلس على إقرار اقتراحات ومشروعات قوانين وإجراءات توحي تجاوباً فعليّاً. ولا بُدّ ثالثاً من التيقُّظ والمراقبة ولا سيّما إذا بقي مُسبّبو الاحتجاج – الانتفاضة في مكانهم أو إذا حلّ مكانهم من يُمثِّلهم. ولا بُدّ رابعاً من الاستعداد لـ”مسّ” النظام القائم المُستند زوراً إلى اتفاق الطائف بالتظاهر السلمي وفي الانتخابات. ذلك أنّ التحرُّك الحالي ليست السياسة سببه بل الفساد وإهمال مصالح البلاد ومرافق الدولة وحقوق المواطنين. لكن ما كان ذلك ليستشري لولا الاختلاف السياسي بل الوطني الناجم عن غياب الولاء الوطني لمصلحة ولاءات طائفيّة ومذهبيّة وعشائريّة وحزبيّة وسياسيّة وشخصيّة. ولا يلغي هذا الغياب إلّا نظام جديد عادل وطنيّ ومدنيّ. وهذه مُهمّة صعبة لكن من دون السعي إلى تنفيذها سيبقى لبنان “قرطة عالم مجموعين…” كما يقول زياد الرحباني.