//Put this in the section

ما المَهمّة التي اتّفق عليها الحريري مع باسيل؟

أحمد عياش – النهار

فتّش عن الاقتصاد. هي عبارة ستحمل الى وقت طويل أجوبة عن أسئلة سوريالية الواقع اللبناني الذي انتقل رسميا قبل أيام الى دائرة الخطر الاقتصادي الكبير. وفي معلومات مصدر مقرّب من مرجع حكومي أبلغها الى “النهار”، ان ما يجعل الأفق قاتماً هو ان أزمة الثقة لم تعد تقتصر على الدولة ومعضلة قطاعها العام، بل شملت أخيرا القطاع المصرفي الذي كان يمثل المَثل الصالح لعافية القطاع الخاص، وها هو هنا الآن يرزح تحت أثقال السيولة بالدولار والتي تخفي وراءها أزمة المصارف مع مديونية الدولة التي أكلت حتى الآن نحو 40 في المئة من الارباح من سندات الخزينة التي اكتتبت بها المصارف بالليرة اللبنانية!




في المعطيات التي توافرت لـ”النهار” حول اللقاء الذي جمع أخيرا رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري مع رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران #باسيل، كانت الازمة الاقتصادية ثالثهما. ومن دون الوقوف على هذه المعطيات، يمكن عندئذ الاستسلام الى الانتقادات التي انتشرت فور الاعلان عن اللقاء على خلفية الموقف الحقيقي للحريري من “التيار” الذي صعّد ضد رئيس الحكومة متسبباً بإلغاء لقاء كان مقررا بين باسيل وكوادر تيار “المستقبل” الاسبوع الماضي، وحل مكانه فجأة لقاء #الحريري – باسيل بعد يومين، الامر الذي دفع المنتقدين وبينهم أنصار “المستقبل” الى السؤال: أين المبادئ؟

أما السؤال الآخر، وهو بعيد عن العواطف: ماذا يدور في كواليس أهل السلطة ويجعل خصومة الأمس تتحول الى حوار اليوم؟

بالعودة الى معطيات لقاء رئيس الحكومة مع وزير الخارجية والتي تنطوي على إجابة مباشرة عن السؤال الاخير، يتبيّن ان “رعباً” (كلمة استخدمتها مصادر موثوق بها) عمَّ المرجعيات في الايام الماضية بعدما بلغ طوفان انعدام الثقة القطاع المصرفي. وهذه الحالة جعلت هذه المرجعيات ومَن يمثلونها يعملون على تبريد الرؤوس الحامية التي بلغت حماوتها الذروة في “الأحد الصاخب” عندما تحوّل تحرك المجتمع المدني مطيّة لتصفية الحساب بين بعض المراجع. وإذا كان من الضروري وضع كلمة “الحكمة” جانباً لتفسير هذا التبريد في النزاعات بين المراجع، فإن كلمة “مصلحة”، وفق تعبير المصادر، تمثل توصيفا دقيقا للدافع الذي فرض على المراجع المتنازعة التفتيش السريع عن مخرج يقيهم الغرق في مركب واحد يبحرون فيه معاً.

وفي المعطيات أيضا، ان سلة الاصلاحات التي لا تزال عالقة في حقل ألغام الخلافات السياسية يكاد مفعولها يتلاشى بمرور الزمن وتفاقم الازمة المالية الذي هبّ إعصارها اخيرا. ومن هنا جاء اللقاء على عجل بين الحريري وباسيل تحت وطأة لائحة بالاصلاحات الواجب الذهاب اليها بلا إبطاء، ومنها معالجة معضلة الرواتب والتعويضات والتقديمات في القطاع العام، وإلغاء مؤسسات لم يعد هناك من حاجة اليها، بينها مجلس الجنوب ووزارة المهجرين، وفرض ضرائب خصوصا على البنزين وعلى القيمة المضافة الـ TVA بحيث يعلن في سنة 2020 إضافة 2 بالمئة سنة 2021 و2 في المئة سنة 2022، لتصبح وقتذاك 15 بالمئة. أما موضوع الكهرباء فيجب الذهاب عاجلاً الى العروض الجدية، فيتم توجيه الدعوة الى العمالقة الثلاثة: “سيمنز”، “جنرال الكتريك” و”ميتسوبيشي”، لتقديم عروضها واختيار الافضل من بينها.

وفي سياق متصل، ليس هناك من قرار لإلغاء مصلحة السكك الحديد التي تحولت في الآونة الاخيرة الى مثال للمؤسسات التي صارت اسماً لواقع لم يعد موجودا. والسبب لهذا اللاقرار ان عبء هذه المؤسسة صغير فيما هناك توجه لإحياء هذا القطاع من النقل في مرحلة مقبلة ستكون الحاجة الى القطارات فيها في لبنان ملحّة جدا.

تفيد نتائج لقاء الحريري – باسيل ان نحو 20 بالمئة من النافذة المغلقة على الحلول قد أعيد فتحها مجددا. لكن كي تنفتح على مدى واسع، فالامر يتطلب نيل موافقة “حزب الله” الذي يقف وراء مقاربات تجعل من الصعوبة الوصول الى حلول لأزمة القطاع العام وتدفع النقاش نحو القطاع المصرفي. ولذلك، تقرر في هذا اللقاء أن يتولى “التيار الوطني الحر” مهمة الحوار مع الحزب، على أمل أن ينتج تفاهماً يصب في مصلحة الاصلاحات. هل ينجح “التيار” في هذه المهمة؟ لا جواب حتى الآن بعد مضي بضعة ايام على لقاء الحريري – باسيل. وإذا من جواب قد يظهر فهو في اول جلسة يعقدها مجلس الوزراء هذا الاسبوع.

من النوافذ المغلقة التي فُتحت أخيراً الإقبال الاماراتي على لبنان عندما استضافت ابو ظبي منتدى الاستثمار بمبادرة إماراتية، وهذا ما اعتبره المراقبون مؤشرا جديرا بالاهتمام. وبناء على هذه المبادرة تلقّى الجانب اللبناني جدولا مسبقا يتضمن ثلاثة بنود. وبدا لافتا بين هذه البنود بند “الامن الغذائي” الذي اقترحه الجانب الاماراتي. ولدى سؤال “النهار” المعنيين عنه جاء الجواب بان هذا البند يتضمن رغبة دولة الامارات في الاستثمار مباشرة في القطاع الزراعي بكل تنوعاته.

هل يكفي الاقبال الاماراتي على لبنان ليشكل خشبة خلاص؟ بالتأكيد لا، وفق الخبراء الاقتصاديين الذين يلتقون على القول ان الازمة الحقيقية في هذا البلد “صُنعت في لبنان”. في هذه العبارة يمكن القول ان هذا هو “السرّ المهم” الذي جعل “خصومة” تيار “المستقبل” مع “التيار الوطني الحر” تقف جانبا. أما التتمة فستكون في نجاح الاخير في الوصول الى “تفاهم” مرجوّ مع “حزب الله”. ولنا سابقة شهيرة في “تفاهم مار مخايل” عام 2006، فهل ينجح باسيل؟