//Put this in the section

لا تخلّي عن لبنان… ولا عن الحريري

روزانا بومنصف – النهار

الاستطلاع الذي قامت به وسائل الاعلام للوفد الوزاري الذي رافق رئيس الحكومة سعد الحريري الى ابوظبي، سلط الضوء على الجهود التي يبذلها الحريري في مسعاه لاعادة العلاقات الامارتية- اللبنانية الى سابق عهدها، وهو كلام لافت من حيث الاشادة بموقف الحريري، خصوصا ان الاستقبال الذي حظي به الاخير كان مهما جدا وترك تأثيرا كبيرا من حيث دلالاته السياسية والاقتصادية على أعضاء الوفد. وكانت الرسالة الاماراتية واضحة من حيث الاستقبال كما من حيث المغزى الذي يفيد بعدم التخلي عن لبنان ودعمه. إلا أن مراقبين سياسيين لم يفتهم ملاحظة استهداف اعلامي داخلي مستمر للمملكة السعودية على نحو يثير تساؤلات عما إذا كان الهدف هو إفشال الحريري على نحو مسبق، فيما تثار اعتراضات في مواجهة استدعاء ناشطين اجتماعيين على مواقع التواصل، أبدوا مخاوفهم وحتى انتقاداتهم للوضع وللمسؤولين، او ان المساعدات المرجوة للبنان لا يريدها البعض ان تأتي عبر الحريري بما يقوي وضعه الشخصي وموقعه في السلطة وفي المعادلة التي تحكم البلد، وهو أمر ترغب في حصوله عواصم عربية وغربية مؤثرة، ومن المرجح ألا تكون تريده قوى داخلية لاعتبارات مصلحية مباشرة او طائفية او حتى اقليمية. فالتعهدات التي التزمها الحريري حول الخطوات التقشفية التي يجب اتخاذها ليست جديدة في الواقع، وسبق أن كررها مرارا لدى تحضير مشروع موازنة 2019، لكن المداولات حولها طالت أكثر من 19 جلسة، من دون أن تأتي بالنتائج المرجوة. وعلى رغم أن الافرقاء السياسيين يفترض أن يشعروا باللهيب الذي باتت تشكله الازمة الاقتصادية والازمة المالية، بحيث تكون المقاربات واحدة ومتقاربة على الاقل، ان لم تكن موحدة، من أجل عبور هذه الازمة، لأن الانهيار في البلد سيؤدي عمليا الى تهديد سلطة جميع الافرقاء السياسيين ونفوذهم ايضا، وغالبا ما تطيح الاعتبارات السياسية هذا الواقع. وفي ابوظبي، وجه الحريري رسالتين قد لا يتنبه اليها بعض الافرقاء على رغم دقتهما: الاولى تتعلق بـ”حزب الله” وتأكيده انه من موقعه الممثل للحكومة فإن لبنان لا يرغب في التعرض للدول العربية وان الحزب الذي يغرد خارج هذا السياق هو جزء من الحكومة، ولكن مقاربته ينبغي ان تكون في الاطار الاقليمي (البعض يقول انه الجزء المهيمن وحده ومع حلفائه بنسبة اكثر من ثلثي الحكومة)، والثانية تتعلق بتأكيده ان موضوع الكهرباء هو أكثر ما يكلف الاقتصاد اللبناني وليس موضوع النازحين، فيما يشكل الموضوع الاخير المقاربة الاهم لرئيس الجمهورية وفريقه في ما يتعلق بالموضوع الاقتصادي، إثباتا على الاقل لخطابه أمام الجمعية العمومية للامم المتحدة حول هذا الامر وتلويحه بالانفتاح المباشر على النظام السوري من أجل محاولة إنقاذ الوضع الاقتصادي من باب إتاحة النظام إعادة النازحين الى بلادهم.




وتبعا لذلك، يخشى معنيون ألا تكون مهمة الحريري سهلة في الاتجاهين، أي في اتجاه الدول العربية او الغربية الصديقة، لجهة أن لبنان، بناء على مسلمات او التزامات معينة يستحق الدعم خشية الانهيار، كما في اتجاه الداخل من حيث القدرة على اقناعهم بالتزام تعهداته امام الخارج كرئيس للحكومة اللبنانية، علما ان الالتزامات التي قطعها امام مؤتمري “سيدر” تجد صعوبة في الطريق الى التنفيذ. فالتمسك بالحريري رئيسا للحكومة من جانب القوى السياسية بات يندرج حتى الان، ومنذ التسوية الرئاسية، على قاعدة ان الرجل الذي واجه ما واجهه على مستويات عدة شخصية وسياسية، يستند التمسك به الى واقع الاستقواء من الآخرين نتيجة اعتبارات متعددة. لكن التطورات الاقتصادية التي تدفع الى التسليم بأن أي فريق آخر في السلطة راهنا لا يستطيع ان يوفر ما يمكن ان يوفره الحريري من انفتاح واصلاح او ترميم للعلاقات مع الدول العربية القادرة، او ما يمكن ان يعنيه موقعه للخارج من تحقيق للتوازن السياسي المختل في البلد او ما يمكن ان يؤدي اليه الاضطلاع بالدور الذي يقوم به من ترميم للخلل السياسي ايضا، قد لا تتم رؤيته بعين جيدة. فهذه العناصر تضاف الى العقوبات الاميركية على “حزب الله”، لكن أكثر الى عدم وجود علاقات جيدة بين واشنطن و”التيار الوطني الحر”، بما يمثله من حيثية الى جانب رئيس الجمهورية والتحالف “الاستراتيجي” الذي يقيمه مع “حزب الله” بحيث يخشى البعض ان يكون المناخ الاميركي ازاء التيار العوني اكثر فاعلية وتأثيرا من العقوبات على الحزب الذي قد لا تكون لديه مصالح مباشرة يتابعها في الولايات المتحدة بمقدار ما يطمح اليه التيار العوني، لاعتبارات مختلفة وفي وقت يغلب على الشباب المسيحي، بمن فيهم المؤيد للتيار الطموح للذهاب الى الولايات المتحدة ايضا للدراسة او للعمل بما قد يؤدي الى ابتعاد مؤيدين للتيار عنه خدمة لمصالحهم في هذا الاطار. وهذا يضع هؤلاء الافرقاء المؤثرين في السلطة من حيث سيطرتهم ونفوذهم في موقع صعب ازاء العلاقات مع الخارج، في وقت احوج ما يكون لبنان الى علاقات سليمة وداعمة، بما قد يؤدي الى ازدياد الحاجة الى دور رئيس الحكومة، والذي يخشى انه يستطيع من خلال مجموعة هذه العوامل ان يعزز موقعه ودوره على نحو اكثر فاعلية بما يمنع تجاوز هذا الدور وفق ما خشيت زعامات سنية في الاعوام القليلة الماضية ورفعت الصوت من اجل ذلك. وتبعا لذلك تتوقف الامور على حجم او مقدار الدعم الخارجي للبنان على رغم استمرار التحفظ على سياسة افرقاء سياسيين فيه خشية ان يستفيد هؤلاء من الدعم الذي يقدم ككل من اجل ترسيخ نفوذهم وسياساتهم علما انه يسري انه دعم لتمرير المرحلة الصعبة ليس الا في وقت يتعين على لبنان ان يقوم بواجباته.