//Put this in the section
سمير عطا الله

الشخص – سمير عطاالله – النهار

في وقت واحد ومنطقتين متباعدتين، صدر كتابان متَشابهان إلى حدّ بعيد. الأول في لندن، للمؤرّخ الهولندي فرانك ديكوتر(1)، والثاني في بيروت، للزميل فؤاد مطر(2) الذي طالما جمع في مؤلفاته بين الصحافة والتأريخ. يروي ديكوتر في اقتضاب ووضوح قصة ثمانية من أشهر ديكتاتوريي القرن الماضي. ويروي مطر أيضاً في وضوح وتوثيق وموضوعية، حكاية الانقلابات العسكرية الثلاثة، التي فتحت أبواب الثكن أمام الديكتاتوريين العرب. اللواء حسني الزعيم الذي سرعان ما أصبح أول مشير في تاريخ الأمّة، واللواء سامي الحناوي الذي أطاحه ورماه بالرصاص مع رئيس وزرائه، بعد أشهر قليلة. والجنرال أديب الشيشكلي الذي قُتل هو أيضاً ولكن ليس في محكمة عرفية في دمشق مثل حسني الزعيم، ولا في شوارع بيروت مثل سامي الحناوي، وإنما بعيداً في إحدى مزارع البرازيل حيث ذهب إلى التقاعد، بعيداً من مخاوف الثكن المفتوحة والدبّابات الفاتحة.

من الصعب طبعاً العثور على حسنات للانقلاب أو للديكتاتور أو للدبّابة. ولكن إذا كان لا بد من ذلك، فإن العسكريين الثلاثة كانوا من الخفر بحيث سمّوا انقلابهم انقلاباً. فهو ليس “الفاتح من سبتمبر” أو “قصر النهاية” كما في مذبحة العراق العام 1958. بل كان حسني الزعيم من الأدب بحيث سمح لشكري القوتلي، الرئيس الجليل والسياسي النزيه والمحترم، بأن يسافر إلى سويسرا فيما كانت دمشق تغلي بالخوف والمخاوف وعدم الاستقرار. لا شك في أن صورة الدوتشي بنيتو موسوليني كانت ماثلة للجميع في عملية السطو على السلطة ومحاولة المحافظة عليها. فقد علّق الزعيم والحناوي والشيشكلي الأوسمة والأوشحة نفسها، دونما اهتمام باستحقاقها أو براءتها. وقد ابتذل معمر القذافي هذه العادة في ما بعد عندما طرّز رفوفاً من النياشين على الجانبين الأيمن والأيسر من صدره، ورصّع قبّعته بما أمكن منها، وفي نهاية الأمر، حمل صولجاناً ذهبياً وأعلن نفسه ملكاً على ملوك أفريقيا.




كان موسوليني صحافياً ناجحاً في عالم الإثارة و”التبلويد”. لكنه حرص على أن تكون صورته الرسمية بالثوب العسكري. واستعان برسام ماهر يعدّل في ملامحه، ويعطي عينيه معالم النسور. ولما كان ذلك عصر ظهور الراديو وسحره، فقد عرف كيف يستغله إلى أبعد الحدود، ووزّع أربعين ألف جهاز مجاناً على الناس. ثم أمر المحلات بأن تبيع 800 ألف جهاز آخر بالتقسيط وأسعار متهاودة. إنه الإنسان الخارق والخطيب المفوّه وسيد المسارح السياسية. دخلت صورته مع الإيطاليين إلى الحمّام لأنها كانت مرسومة على ألواح الصابون. وكانت تُترك أضواء مكتبه شعلة طوال الليل، لكي يتأكد الناس من أنه لا ينام، وإنما يعمل من أجلهم. كما أصرّ على أنه أجاب بنفسه عن 1,887,112 التماساً أُرسل إليه.

مثل كل إيطالي وُلد الدوتشي موسوليني ممثلاً بارعاً. وكان يمضي الكثير من الوقت أمام المرآة، يعدّ نفسه للظهور، ويغار، كما يقول ديكوتر، من غريتا غاربو. هكذا كان يفعل أدولف هتلر أيضاً، مثل أي ممثل محترف قبل تصوير أي جلسة من جلساته. ومثل صديقه وحليفه موسوليني، كان يترك أضواء مكتبه مشعلة طوال الليل، دلالة على أنه لا ينام. ومثله أمر ببيع أجهزة الراديو بأسعار مخفّضة. ومثله أيضاً وأيضاً، أغرق البلاد بصوَره وملصقاته. وفيما غرقت ألمانيا في التقنين والإعاشة وخصوصاً في الورق، كان هتلر يأمر بتخصيص أربعة أطنان من الورق كل شهر لمصوّره الخاص باعتبار أن صوَره “استراتيجية حيوية”. تفوّق الفوهرر على الدوتشي كثيراً في هذا المجال، لكن التشيرمان ماو تسي تونغ أزاح الاثنين جانباً. فقد أُقيمت في مدينة شانغهاي وحدها، سبعة مصانع لكي تطبع الصوَر والملصقات و”الكتاب الأحمر” الذي صدر العام 1964. وأُقيمت مصانع أخرى تنتج الحبر الأحمر على مدى الليل والنهار، ومع ذلك لم تستطع القيام بالمهمّة كاملة. ولذلك عُدّلت بعض مصانع الثياب والأحذية والأشياء الضرورية من أجل إنتاج “الكتاب الأحمر”.

ولعل طبع الشارات التي تحمل صوَر الديكتاتور هي الظاهرة الأكثر أهمية بينهم جميعاً. فإن تعليق الشارة فوق موقع القلب يظهر مدى محبة الناس وطاعتهم للزعيم. وبلغ إنتاج شارات ماو العام 1968 خمسين مليوناً في الشهر، فلما لم يعد في استطاعة المصانع إنتاجها، نشأت سوق سوداء لصناعتها وبيعها بأرباح طائلة. وفُقدت من السوق ضروريات مثل الألومينيوم الذي تُصنع منه أدوات المطبخ وتعطّلت الصناعات الأخرى. بدل أن يركّز ديكوتر على التعذيب والمجاعات والفشل الاقتصادي والتخلف التعليمي، يعدّد معالم الحياة السخيفة في ظل الديكتاتور. كيف مثلاً يزرع دائماً القسمة بين أهل البلاد. أو كيف يزيح من طريقه العقل والمنطق والحقائق. ويقول: “يحاول الديكتاتور دائماً أن يكون غامضاً ومليئاً بالمفاجآت، لأن ذلك يعطيه شعوراً من الأمن في الداخل والخارج. ففي العام 1940، على سبيل المثال، وعد ماو تسي تونغ بنظام متعدد الحزبوالحرّيات والملكية الفردية. لكنه بعد عامين عكس هذه السياسة بما سمّاه حملة تصحيحية ألغت الملكية الفردية والاستقلالية الفكرية وأقام محاكم التفتيش وحملات التطهير والاعتقالات وموجات الإعدام”.

يلغي الديكتاتور الأفكار التي جاء بموجبها لكي لا يبقى سوى شخصه. موسوليني ألغى الفاشية ليصبح هو الدوتشي، هتلر ألغى النازية، ستالين ألغى الشيوعية، ماو ألغى الماركسية. يحيط الديكتاتور نفسه على الدوام بـ”الغبي المفيد”، الرجال الذين يمتدحونه بلا حدود ويجعلونه دائماً في مصاف الآلهة. فليس هو في حاجة إلى الناس والشعب وإنما ملايين البشر في حاجة إليه. وتتشابه العناوين كثيراً في هذه الحالات. كان صدّام حسين يسمّي نفسه الرئيس “الضرورة” وكاد يقول المرسَل. لم يدخل صدّام حسين السلك العسكري في حياته، لكنه عندما أعلن الحرب على إيران وقرر غزو الكويت، والمضي من هناك نحو الإمارات والسعودية، سرعان ما ارتدى بدلة عسكرية وفرضها على أركانه بحيث بدت اجتماعات الحكومة مضحكة أحياناً، لأن بعض الوزراء كانوا من دون أي لياقة بدنية على الإطلاق. يقول ديكوتر: “إن الديكتاتور لا يخاف إطلاقاً من الكذب”. ويعطي على ذلك أمثلة بلا نهاية. ففي العام 1922 “هدد موسوليني بأن يرسل إلى روما 300 ألف من القمصان السود” مع أن عدد هؤلاء لم يكن يزيد آنذاك عن ثلاثين ألفاً. ووعد ديكتاتور هايتي، دوفالييه، في خطاب القسَم العام 1957، بأن “حكومتي سوف تحمي كرامة الناس وحقوقهم المدنية” من أجل طمأنة الشعب وفرحه، لكن خلال أسابيع قليلة، كانت شرطته السرّية تقتل المنافسين وتنفّذ الأعدام بأطفال في الحادية عشرة من العمر.

في المرحلة الأخيرة، يقول ديكوتر: “يتحوّل الديكتاتور إلى إله. ويحلّ الإيمان به محلّ الدين. ففي منازل الروس، عُلقت إيقونات تمثّل لينين وستالين”. وقارنت كتابات كثيرة بين هتلر والمسيح، ولا داعي للقول إن الفوهرر هو الذي فاز. وأعلن دوفالييه أنه “الكلمة التي تجسّدت” وأنه “كائن غير مادي”. ولا تزال هايتي إحدى أفقر بلاد الأرض.

* * *

قدّم لأحدث مؤلّفات فؤاد مطر، الزميل رياض نجيب الريّس، الذي عايش تلك المرحلة عن قرب من خلال والده، صاحب “القبس” وأحد أركان الصحافة السورية في تلك الأيام. وما يقتبسه مطر من افتتاحيات نجيب الريّس عن تلك الأحداث يظهر إلى أي مدى كانت الصحافة السورية تتمتّع بالحرية والمستوى الفكري. غير أنها ما لبثت أن تحوّلت مثل باقي المؤسسات الديموقراطية إلى ضحية من ضحايا المفهوم العسكري للسلطة. فمن أجل الجمع بين الروح المدنية والانضباط العسكري السامي، لا بد من رجال أمثال شارل ديغول ونابوليون بونابارت وجورج مارشال، وزير الخارجية الأميركية الذي استبدل الحرب والدمار في أوروبا بتلك الخطة الإنسانية التي حملت اسمه.

1 – How to Be a Dictator: The Cult of Personality in the Twentieth Century – Frank Dikotter.

-2 عسكر سوريا… وأحزابها، تقديم: رياض نجيب الريّس، الدار العربية للعلوم ناشرون.