//Put this in the section
اميل خوري - النهار

من الوصاية السوريّة السافرة إلى الوصاية الإيرانيّة المقنَّعة… – اميل خوري – النهار

هل يمكن القول إن لبنان يعيش اليوم ظروفاً شبيهة بتلك التي عاشها من قبل فجعلته يخضع لوصاية سورية مباشرة دامت 30 عاماً وكانت تحظى بموافقة عربيّة ودوليّة، وهو يخضع حاليّاً لشبه وصاية إيرانيّة مقنَّعة لكنّها لا تحظى بمثل تلك الموافقة؟

لقد تقرّرت الوصاية السورية على لبنان لكي تتولّى تنفيذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب فيه، لأنّه لم يكن في لبنان دولة قادرة على تنفيذه، ولا سيّما ما يتعلّق بحل الميليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة وتسليم أسلحتها إلى الدولة. وكانت تلك الوصاية هي التي تأتي برؤساء الجمهوريّة وبرؤساء الحكومة والوزراء وحتّى بأكثريّة نيابيّة من خلال قانون للانتخاب مفصّل على قياسها لتضمن بقاء وصايتها أطول مدّة ممكنة، وذلك باعتماد ثلاثيّة “شرعي وضروري وموقّت” يتكرّر ذكرها في كل بيان وزاري لضمان بقاء القوّات السورية في لبنان. وفرضت الوصاية السورية أيضاً تأليف حكومات “وفاق وطني” لتضمن مشاركة أحزاب موالية لها فيها ترفض المطالبة بانهاء الوصاية أو بانسحاب القوات السورية من لبنان. وقد اعترض العميد الراحل ريمون إدّه في حينه على ذلك، معتبراً أن أي حكومة أيّاً يكن شكلها وتنال ثقة مجلس النوّاب من حقّها اتخاذ القرارات التي تراها في مصلحة لبنان. لكن سوريا ظلّت مُصرّة على تأليف حكومات “وفاق وطني” كي لا تتفق على اتخاذ قرارات لا تكون مقبولة من سوريا. وكان السلاح في المخيّمات الفلسطينيّة من أسباب تبرير بقاء الوصاية السورية على لبنان والاستقرار فيه.




ويحاول “حزب الله” بدعم من إيران اتّباع سياسة سوريا في لبنان. فكما كانت ثلاثية “شرعي وضروري وموقّت” تبرّر بقاء القوات السورية في لبنان، فإنّ ثلاثيّة “الجيش والشعب والمقاومة” المعتمدة حاليّاً تبرّر بقاء سلاح “حزب الله” بحجّة أنّه القادر وحده على مواجهة أي عدوان اسرائيلي وخلق توازن رعب مع اسرائيل.

وكما كانت الوصاية السورية تأتي برؤساء الجمهوريّة، فإن “حزب الله” صار يأتي هو بهم وإلّا فلا رئيس للبنان، وهو الذي يأتي بحكومات تُسمّى زوراً وبهتاناً حكومات “وحدة وطنيّة” ليضمن مشاركة أحزاب موالية له فيها تعطّل اتخاذ أي قرارات مرفوضة من الحزب أو من إيران. واستطاع “حزب الله” إقرار قانون جديد للانتخابات النيابيّة ضمن من خلاله الفوز إن لم يكن بأكثريّة نيابية تقرّر، فأقله بأقليّة تعطّل اتخاذ أو تنفيذ أي قرار مرفوض إيرانيّاً وسوريّاً ومن جهة ما يُسمّى “الممانعة”.

وإذا لم يستطع رؤساء الجمهوريّة والحكومات والمجالس النيابيّة إنهاء الوصاية السورية على لبنان خلافاً لما نصَّ عليه اتفاق الطائف، ولا استطاعت قرارات مجلس الأمن الدولي جعل القوات السورية تنسحب من كل لبنان، فإنّ اللبنانيّين اضطرّوا إلى القيام بانتفاضة عُرفت بـ”ثورة الأرز”، فأرغمت القوات السورية على الانسحاب من كل لبنان وإنهاء الوصاية عليه واستعادة الاستقلال والسيادة والحريّة، فهل يستطيع الشعب اللبناني القيام مرّة أخرى بانتفاضة جديدة للتخلّص من الوصاية الإيرانيّة المُقنّعة ومن سلاح “حزب الله” من دون إحداث فتنة داخليّة تكون مضارها أكثر بكثير على لبنان من بقاء الوصاية الإيرانيّة وسلاح الحزب؟

الواقع ان لبنان قد يبقى محكوماً بوصاية إيرانيّة مقنَّعة من خلال سلاح “حزب الله” إلى أن تغيّر إيران سلوكها أو تتغيّر صورة الوضع في المنطقة، ولا أحد يعرف متى يكون ذلك!