//Put this in the section

هل يرد عون بإعلان إجراءات طوارئ؟

ابراهيم حيدر – النهار

ينقل أحد المصادر المقربين من موقع الرئاسة الأولى، أن الرئيس ميشال عون تابع شخصياً سلسلة التحركات التي شهدها وسط بيروت وقطع الطرق في بعض المناطق، خصوصاً بعدما أُبلغ أن شعارات تطلق لإسقاط العهد وتحميل الرئاسة المسؤولية عن الأزمة، وأيضاً ما يطلقه بعض المتظاهرين من دعوات لانقلاب عسكري وتسلم الجيش دفة الأمور في البلد. وبما أن أي حكم عسكري غير ممكن في بلد مثل لبنان، إنما تعكس التحركات وتطوراتها التي انطلقت بدعوات عبر وسائل التواصل، حجم المشكلات التي يعانيها البلد، والصراع بين القوى السياسية وتبادلها الاتهامات عن مسؤولية الازمة. ويقال أن عون أعطى توجيهات مبدئية لمواجهة الوضع مع احتمالات تطوره الإثنين، وما قد يحمله من حوادث خطيرة.




خرجت في ساحة رياض الصلح وشوارعها المحيطة تحركات احتجاجية على الوضع المعيشي، ترافقت مع قطع طرق واحراق إطارات، سرعان ما أخذت طابعاً مختلفاً عما شهدناه خلال السنوات السابقة. تحوّلت الامور نحو الفوضى، وبدأت تظهر إشارات على أن هذا التحرك بتنقله من منطقة الى أخرى، ودخول شبان من أحياء مختلفة هو عبارة عن بروفة لتصفية حسابات بين أركان السلطة، وإمكان إحداث فوضى في البلد تذكر بشبح عام 1992 عندما أُسقطت حكومة عمر كرامي. لكن التحركات انعكست سلباً على إمكان تشكيل حالة شعبية اعتراضية على الوضع الراهن. وكان لافتاً التصويب في التظاهرة على العهد ورئيس الجمهورية، وهو ما يعتبره المصدر أنه يفيد الرئيس ولا يحرجه، ويؤكد وجهة نظره بأن هناك قوى تشتهدفه وتحمله مسؤولية الأزمة.

 

ولأن الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان دخلت في مرحلة خطيرة، وبدأت تترافق مع صراع سياسي وطائفي ومذهبي حوّل الأوضاع اللبنانية، انتقل الامر إلى حالة من الهستيريا وتقاذف الاتهامات. وها هي القوى الطائفية في الحكم وجماعاتها المعبأة مذهبياً والمجيشة تستعد لاستحضار الغرائز والتعبئة لدعم مرجعياتها وزعمائها. المفارقة التي ظهرت أن القوى الممثلة في السلطة تبادلت الإتهامات وتقاذفتها من دون أن تتجرأ وتعلن مسؤوليتها عما آلت إليه الأوضاع اللبنانية وصراعاتها الخطيرة وأزماتها التي تدفع البلد إلى الإنهيار. فعندما تكون الأزمة بهذا الحجم وبالخطورة، تتجه الأنظار إلى رأس السلطة أولاً أي رئيس الجمهورية، وهو اليوم ميشال عون الذي رفع شعار الإصلاح والتغيير والإنقاذ أيضاً، فإذا برأس الهرم اليوم يقدم موقعه الأول كطرف يشعر بأنه مستهدف سياسياً وطائفياً، وكأن “فتنة الاقتصاد” التي وصفها وزير الخارجية جبران باسيل تستهدف بالدرجة الاولى التيار الوطني الحر وجمهوره ورئيسه التاريخي، بينما البلد كله يسقط وينزلق إلى الإنهيار والفوضى.

وعلى رغم الوضع الخطير، بدا أن الجماعات اللبنانية تعود الى عصبياتها، لتذكرنا بالحملات العشوائية التي تنقل البلد من أزمة إلى أزمة. كل طرف سياسي يمثل طائفة معينة ويتولى موقعاً رئيسياً في السلطة يرمي الاتهامات على الآخر، في وقت قامت التسوية على إيصال ميشال عون الى السلطة وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة في رعاية “حزب الله” ودعمه. ولأن عون رفع شعار الإصلاح والإنقاذ واستعادة موقع “الرئيس القوي”، تصرف خلال وجوده في نيويورك بأنه لا يعرف شيئاً عن الأزمة، وكأنه يترفع عن المسؤولية، علماً أنه حيّد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وإن كان برأي باسيل أن هناك شركاء في الداخل يتآمرون على البلد واقتصاده.

لكن المشكلة أن التحرك الاحتجاجي الذي شهدناه يحفّز كل القوى الطائفية على استنفار رصيدها، علماً أن الخروج الى الساحات احتجاجاً يكون بالتراكم، فإذا وجدنا حالة من قطع الطرق والفوضى كما حصل الأحد، خصوصاً وأنه يوم عطلة والمؤسسات مقفلة، يصبح الامر ملتبساً، وكأن القوى السياسية على الأرض تحاول استنفار عصبياتها، إذ أن القلة القليلة من مجموعات الحراك المدني التي دعت الى الحراك اكتشفت انها غير قادرة على الاستقطاب، فيما تستطيع القوى السياسية استخدام أي حراك لخدمة توجهاتها، وتدخله ضمن حساباتها.

وقد بدا أن الاحتجاج على الوضع المعيشي ومكافحة الفساد يقابله تحفّز القوى الطائفية على إطلاق غرائزها، ففي إمكان التيار الوطني الحر أن يستنفر مناصريه وجمهوره على الأرض بعناوين الحشد الطائفي ضد محاولات اسقاط العهد، وكذلك يفعل “حزب الله” وحركة أمل، فيما يبدو تيار المستقبل اليوم خارج هذه المعادلة وفق المصدر السياسي، إذ يصر رئيس الحكومة سعد الحريري على التهدئة والتواصل مع مختلف الأطراف. وبينما يفترض أن تكون الأولوية لمعالجة الوضع المالي والنقدي، تستنفر الجماعات اللبنانية قواها وتستحضر عصبياتها للدفاع عن وجودها في الحكم وموقعها في السلطة.

يتضح أيضاً أن الحراك المدني غير قادر على التعبئة، وربما دخل في دائرة البطالة حتى وهو يطلق شعارات لمواجهة فساد الطبقة السياسية وعجزها عن معالجة الأزمة وغيرها من الملفات. فالمشكلة باتت كبيرة في هذا الجسم المدني بحملاته المختلفة، إذ أنه ضاع بين المطالب السياسية وساهم تحرك الأمس في تضييع القضية وتراجع الحراك خطوات الى الوراء. ويعتبر المصدر أن ما حصل سيعطي القوى السياسية شحنة جديدة للاستمرار في سياساتها وسيضع اللبنانيين الذين يريدون التغيير أمام واقع مأسوي جديد. لذا ستعيش البلاد أسوأ أيامها في ظل الحال الانحدارية التي تحوّل لبنان إلى حارات وزواريب وشوارع، حيث التعصب المذهبي والطائفي، قد يصل إلى حافة الانفجار.

ينقل المصدر المقرب من القصر، أن العونيين سيردون على ما يعتبرونه حملات ممنهجة ضدهم وضد العهد، وقد ينطلقون من تعميم “الخوف المسيحي” لانتزاع مكتسبات معينة. وقد يكون ما حصل في ساحة رياض الصلح وقطع الشوارع طريقاً لاتخاذ الرئيس عون قرارات تدخل تحت خانة إعلان الطوارئ، منها يستنفر جمهور العونيين ويصوّب لاستعادة المزيد من الصلاحيات، وقطع الطريق على أي تحرك يستهدفه.