تعميم مصرف لبنان يساعد بحل أزمة المحروقات والطحين… تأمين الدولارات لتسديد المستحقات وتغطية طلب السوق

موريس متى – النهار

تعددت الاسباب وراء أزمة نقص الدولار في الاسواق اللبنانية، وهي الازمة التي رفعت منسوب المخاوف بين المواطنين حيال استقرار سعر صرف الليرة وكيفية تأمين حاجاتهم اليومية ودفع مستحقاتهم، رغم كل التطمينات على لسان المسؤولين الماليين والمصرفيين.




نقص الدولار في السوق يعود بشكل أساسي الى استمرار إرتفاع عجز ميزان المدفوعات الذي يستنزف العملة الصعبة والذي تخطى 6 مليارات دولار، أي ان كمية الدولار التي تخرج من لبنان أكبر بكثير من الكمية التي تدخله، بالاضافة الى إستمرار إرتفاع عجز الميزان التجاري الذي وصل الى 17 مليار دولار وتراجع الصادرات من 4 مليارات دولار سنوياً الى مليارين، بالاضافة الى إنخفاض تحويلات المغتربين من 9 مليارات دولار الى بين 6 و7 مليارات دولار. اما الاسباب التي أدت الى تراجع كميات الدولارات الموجودة في الاسواق فهي إنخفاض حجم الانفاق في القطاع السياحي الذي يُعتبر مصدرا اساسيا لدخول العملة الصعبة الى البلاد نتيجة الحظر الخليجي ومع التراجع المستمر للاستثمارات الاجنبية المباشرة الوافدة الى لبنان نتيجة الازمات السياسية والامنية المتلاحقة. ويبقى على لبنان تسديد فواتير الاستيراد بالدولار الاميركي، مع تسديد كلفة خدمة الدين وفواتير الفيول لكهرباء لبنان وغيرها من الاستحقاقات التي يجب تسديدها بالعملة الصعبة. هذا ولم يعد خافيا على أحد أيضا، ان ما أجج الازمة في الايام الاخيرة هي عمليات السحب المكثفة من الصرافات الالية بطريقة منظمة من شبكة عملت على نقل كميات من الدولارات الى سوريا مباشرة أو عبر شراء كميات من الفيول والمحروقات لنقلها الى الداخل السوري، أو حتى لتسديد ثمن بضائع مهربة من سوريا الى لبنان وهي القضية التي فتحت الجهات المعنية تحقيقها فيها، ما دفع بمصرف لبنان والمصارف الى اتخاذ إجراءات تمنع عمليات التحويل عبر الصرافات الالية مع وضع سقوف لسحب الدولار الاميركي، لضبط الوضع الذي عاد تحت السيطرة بحسب ما تؤكده مصادر متابعة للملف.

مصرف لبنان إستبق في السنوات الماضية الازمة، فسار بهندسات مالية ساهمت في زيادة الاحتياطات الاجنبية لدى مصرف لبنان حتى وصلت إحتياطات العملات الاجنبية الى أكثر من 43 مليار دولار في آب 2018 لتعود وتتراجع الى ما يقارب 37.5 مليار دولار حاليا، نتيجة إستنزاف جزء منها لتغطية الحاجات التمويلية للدولة اللبنانية مع تغطية كلفة خدمة الدين العام وإستحقاقات السندات الاجنبية، بالاضافة الى تأمين الاستقرار النقدي وسعر صرف الليرة.

تأزم الوضع في الفترة الماضية نتيجة تراكم الازمات مع إتخاذ مصرف لبنان والمصارف إجراءات قيدت حركة بعض التجار والمواطنين ورفعت من منسوب المخاوف حيال إستقرار سعر الصرف، بعد أن ارتفع سعر الصرف في السوق الموازية اي لدى الصرافين الى ما يقارب 1600 ليرة للدولار الواحد، فيما بقي السعر الرسمي لدى المصارف بين 1510 و1515 ليرة للدولار.

ارتفعت صرخة العديد من القطاعات من المحروقات الى المطاحن وصناعة الادوية وغيرها نتيجة شح الاجراءات التي طالت الدولار ووضعتها تحت رحمة الصرافين ما كبدهم خسائر كبيرة. فمثلا، جعالة أصحاب محطات المحروقات على صفيحة المازوت تراجعت من 700 ليرة الى خسارة 200 ليرة على كل صفيحة فيما تراجعت الجعالة على صفيحة البنزين من 1800 ليرة الى 900 ليرة تقريبا، ما دفعهم للتحرك والاضراب والتهديد بالتصعيد.

أما على صعيد صناعة الرغيف، فيؤكد أصحاب المطاحن ان صعوبة التحويل من الليرة اللبنانية الى الدولار وفارق أسعار الصرف، بدأ يؤثر سلباً على استمرار عمل المطاحن التي تبيع انتاجها من الطحين بالليرة اللبنانية ما يمنعهم من الالتزام بتوفير مادة الدقيق لصناعة الخبز بالسعر الرسمي، المحدد من قبل وزارة الاقتصاد والتجارة، فمشكلة التحويل من الليرة اللبنانية الى الدولار الاميركي اصبحت مكلفة للغاية بالنسبة الى هؤلاء، ما دفعهم لاصدار الفواتير وتحصيلها بالدولار محافظة على الرأسمال التشغيلي واستمرار عملهم. والاهم ان الاحتياط التمويني من القمح لدى المطاحن انخفض الى مستوى يشكل خطرا، ما قد يعرض البلاد الى ازمة تموينية بحسب أصحاب المطاحن اذا لم تحل مشكلة الدولار الاميركي الذي تتم بواسطته عملية الاستيراد.

أمام هذه الازمات المتراكمة من المنتظر ان يصدر عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، يوم الثلثاء، تعميم لتنظيم تمويل استيراد القمح والدواء والبنزين بالدولار الأميركي. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “النهار” إنتهى سلامة من وضع هذا التعميم الذي سيؤكد فيه ضرورة إستمرار المصارف بالتعامل طبيعيا مع الزبائن وتلبية متطلباتهم على أن يقوم مصرف لبنان بتأمين كميات الدولارات المطلوبة لتغطية الطلب من دون أي نقص، فيما سيتم إعتماد آلية عبر فتح الاعتمادات بالدولار الاميركي للمساهمة في علاج أزمة استيراد المحروقات والادوية والطحين. هذا وتؤكد المصادر ان هذه الالية قد يتم حصرها بالشركات المستوردة ما يجبرها على بيع وتسليم بضائعها للشركات الموزعة والشركات في لبنان بالليرة اللبنانية، ما يعني تأمين الاعتمادات اللازمة للشركات المستوردة بالدولار الاميركي، على ان يتم هذا الامر بالتنسيق مع المصارف بعد مراجعة الحاجات الفعلية لهذه الشركات إستنادا الى بياناتها المالية منذ ما قبل الازمة، لمعرفة حاجاتها الفعلية للدولار إستنادا الى حجم أعمالها وإستيرادها.

وتؤكد المعلومات ان تعميم مصرف لبنان لن يكون سحرياً ولن ينهي الازمة بـ “كبسة زر” وإنما يمهد لآلية مستدامة جديدة سيتم إعتمادها لتنظيم عملية الطلب على الدولار وتأمين ما يحتاجه السوق من عملة صعبة، مع الاخذ بعين الاعتبار ان مرحلة الرفاهية قد إنتهت ودخلنا في مرحلة جديدة تحتاج الى آليات تنظيمية للتعامل معها، نتيجة الظروف المالية والاقتصادية الدقيقة التي تمر فيها البلاد.