//Put this in the section

كرة النار النقدية هل يتلقفها حاكم المركزي؟

سابين عويس – النهار

لم يخف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الحقيقة كاملة عندما طمأن الى أن الدولار موجود ولا نقص فيه، لكنه لم يقل ايضا الحقيقة كاملة، وهي أنه يحتفظ بالدولار في محفظته ويمنعه عن السوق، ليس بهدف منع المضاربة على العملة الوطنية، وإنما من اجل الحفاظ على مستوى احتياطاته والحؤول دون استنزافها عبر التدخل في السوق للحفاظ على سعر الصرف. وكان واضحا عندما قال إن تحديد سعر الدولار ليس من مسؤولية المصرف المركزي.




لا تشكل الفوارق في سعر صرف الدولار عند الصرافين مصدر قلق للحاكم، نظرا الى الهوامش الضيقة التي لا تزال تتحكم في هذه السوق الموازية، وعملياته لا تتجاوز نسبة واحد في المئة من حجم السوق ككل. ولكن هذا الخيار وضع البلاد أمام أزمة اقتصادية، بما أن تجفيف السوق من السيولة، تحت مبرر خفض الاستهلاك بما يخفض فاتورة الاستيراد ويحول دون خروج العملة الصعبة من صندوق المركزي والمصارف، سيؤدي حكما الى انكماش اقتصادي حاد لن يحلحله الا رزمة من الاجراءات الانعاشية والتحفيزية المطلوب من الحكومة اللجوء اليها من اجل احداث صدمة ايجابية تستعيد ثقة الاسواق.

إذاً، ليست أزمة دولار بقدر ما هي أزمة عرض وطلب في البعد الاقتصادي، على خلفية ان طلب الدولار في ظل مشاعر القلق والذعر لدى المتعاملين تجاوز بأضعاف حركة العرض، فيما حركة خروج الدولار عبر الحدود لم يقابلها حركة مماثلة بدخول تحويلات على جاري العادة. فالتحويلات الخارجية هوت في النصف الاول من السنة الى نحو 3 مليارات دولار، وساهمت الى جانب العجز في الميزان التجاري، في تحقيق عجز في ميزان المدفوعات غير مسبوق في حجمه، تجاوز الستة مليارات دولار. في حين أن الاخطر والأهم يكمن في البعد السياسي للأزمة، حيث أبرزت ممارسات الايام القليلة الماضية أزمة ثقة بنظام عاجز عن المعالجة، معطوفة على أزمة صراع واستهداف يشكل حاكم المصرف المركزي هدفا واضحا فيها، على خلفية تقاذف المسؤوليات الجاري على مستوى السلطة ورمي كرة النار المالية بين يدي سلامة، وتحويلها الى كرة نار نقدية. وجاء كلام رئيس الجمهورية أمام الصحافيين في الطائرة التي أقلته الى بيروت في طريق العودة من نيويورك، ليعزز هذا الانطباع، اذ قال: “كنت في نيويورك. اسألوا المعنيين، فهناك مسؤول عن النقد هو حاكم مصرف لبنان ومسؤول عن المال هو وزير المال، وأنا لست على علم بما حصل خلال غيابي”.

واستغربت مصادر سياسية كلام رئيس الجمهورية، خصوصا أنه كان صاحب المبادرة الى الامساك بالملف الاقتصادي والمالي، وتأمين الغطاء السياسي للقرارات والاجراءات الموجعة المطلوب اتخاذها. وسألت ما اذا كان هذا الكلام يرمي الى تحميل السلطتين المالية والنقدية مسؤولية الازمة رغم ادراك رئيس الجمهورية ومعه كل القوى السياسية ان جوهر المشكلة سياسي، وهو نتيجة التداعيات الكارثية للأداء السياسي المعطل للنشاط والكابح للنمو والطارد للثقة.

والواقع أن كل المعطيات المتوافرة حتى الآن، في ظل التباطؤ الشديد في المعالجة، توحي أن الازمة مرشحة لأن تطول الى أمد غير قصير، وان تنحو نحو المزيد من التفاقم، خصوصا أن ملامح موازنة 2020 لا تشي بأن ثمة قرارا جريئا بوضع اليد على الجرح النازف للمالية العامة. وبدا ذلك واضحا في نتائج نقاشات اللجنة الوزارية لدرس الاصلاحات المالية والاقتصادية المنعقدة اول من امس في السرايا الحكومية، والتي لم تفض الى اتخاذ اي قرار كما اعلن وزير الاتصالات عقب الجلسة عندما كشف ان البحث تناول خمس نقاط هي تجميد زيادة الرواتب، وزيادة المحسومات التقاعدية، وزيادة ضريبة القيمة المضافة على الكماليات، وفرض رسوم على الدخان والبنزين، مشيرا الى أنه لم يتم اتخاذ أي قرار في شأن هذه النقاط بعد. وكان كلام الوزير محمد فنيش أكثر وضوحا وحزما اذ قال ان “ما حصل في الاجتماع هو جَوجلة وعرض للأفكار، ولم يتم التوافق بعد على أيٍّ من هذه النقاط. كذلك لم تَتكشّف بعد قيمة الواردات المتوقعة من هذه الاجراءات إذا ما اتُخذت”، مشددا على أنّ “ما طُرح كان مجرد اقتراحات، وأنّ الاجتماع انتهى من دون حسم نتيجة أيٍّ من الاقتراحات، على أن يعود الوزراء الى مرجعياتهم السياسية قبل البَتّ بأيّ إجراء”. وهذا يعني في شكل واضح ومن دون اي لبس ان الغطاء السياسي لم يتوافر بعد للاجراءات الكفيلة بلجم الانهيار، وان موازنة 2020 لن تكون الا نسخة من موازنة 2019، خالية من اي رؤية او اجراء، خلافا للوعود التي اطلقتها الحكومة عند تقديم موازنة 2019 الى البرلمان.