غسان الحجار - النهار

تغيير الإدارة أسهل من البحث عن وطن – غسان الحجار – النهار

الوضع اللبناني ليس على ما يرام. العهد يبلغ منتصفه في أسوأ حال، وقد ينتهي من أسوأ العهود، رغم تكرار سيده في معظم اللقاءات، انه لا يمكنه وحيداً انقاذ بلد غارق في وحول ثلاثين عاماً مضت. الحكومة متعثرة ومترنحة، ورئيسها يصارع الامواج وحيداً، فيما معظم مكوناتها غارقة في صراعات داخلية مصلحية على التعيينات وبعض المكاسب. مجلس النواب ليس في معزل عن محيطه. اعضاؤه يتمنون ويصرّحون بضرورة أو بوجوب فعل شيء. يؤكدون عجزهم عن ابتكار حلول وفرضها على الحكومة، ويقعون في تداعيات تشريعاتهم الناتجة غالباً من مزايدات مواسم الانتخابات. وزير المال تُرمى عليه مسؤولية تعبّر عن غياب السياسات المالية للدولة. موقع وزارة المال مخترق الكترونياً ومعنوياً. حاكم مصرف لبنان متروك لمصيره ممن يتمنون إحراقه ليرثوه ولو تحت وطأة الانهيار. لكن هؤلاء، بمعظمهم، لا يتحملون أعباء الأزمة الزاحفة على المواطنين. معظمهم ضَمِن “رزقه” وراكم املاكاً، وحسابات مصرفية، خصوصاً في الخارج. وقد قرأت بالامس للزميل واصف عواضه انه في العام 1992 وقبيل الانهيار المالي، وضمن مهلة عشرة ايام فاصلة عن اعلان مصرف لبنان عدم قدرته على الدفاع عن الليرة، كيف عملت مجموعة معيَّنة من الناس على تحويل اموالها الى الدولار، وحصلت على قروض بالليرة اشترت بها دولارات، بالتعاون مع بعض المصارف، وحققت ارباحاً طائلة، على حساب صغار المودعين والموظفين والمواطنين العاديين الذين اصابتهم الكارثة في اموالهم وصحتهم وحياتهم.

ويبدو ان الطبقة السياسية الى اليوم لم ترتدع، بل تحاول ان تحمّل المواطن مسؤولية الازمة. مجلس النواب اقر سلسلة الرتب والرواتب، ثم ارتفعت الاصوات بأن السلسلة ستتسبب بكارثة مالية. يجاهر مجلسا الوزراء والنواب بمحاربة الفساد، فيما يمرر هذا وذاك، الصفقات العابقة بروائح الفساد، ويوفران الغطاء السياسي لأصحابها.




يحتاج الوضع الى ضرائب جديدة على المحروقات، ورفع تعرفة الكهرباء، والضريبة على القيمة المضافة بنسبة عالية مع الغاء الرسوم الجمركية لمنع التهريب، واجراءات اخرى، يمكن ان يتقبلها المواطن اللبناني اذا وثق بان العائدات لا تدخل سلة مثقوبة، وان الاموال لا تهدر في صفقات مشبوهة، وان الرقابة على الصرف باتت مشددة بالفعل لا بالكلام.

معطيات اليوم تبدلت عن العام 1992، فمصرف لبنان يملك احتياطاً كبيراً، ولبنان مقبل على التحول بلداً نفطياً، ومشاريع “سيدر” ليست بعيدة، شرط الالتزام ببعض الاصلاحات الضرورية، والتي يكرر المسؤولون انهم يقومون بها لا تحت ضغط المطالب الفرنسية، وانما لاقتناعهم بضرورة تنفيذها، علماً ان كذبهم مفضوح، لانهم لم يقوموا بها قبل اليوم، ولو فعلوا لما كنا بلغنا الحضيض الذي نعيشه.

يقول لي رئيس جمعية المعارض والمؤتمرات الصديق ايلي رزق: “لسنا بحاجة إلى مساعدات ولا إلى هبات. في استطاعتنا أن نجذب استثمارات تساهم في تكبير حجم الاقتصاد شرط توافر عوامل الثقة المحلية والدولية بحسن إدارة مؤسسات الدولة. لبنان يمتلك مقومات تؤهّله لأن يكون دولة رابحة، لكنه للأسف يُدار بشكل سيئ. والأسهل تغيير الإدارة عوض عن البحث عن وطن آخر”. فمَن يفعل؟