//Put this in the section

جلال الدين الرومي.. رسول العشق الذي أضاء القلوب بشعره وأثّر في أوروبا وأمريكا

«كن كالسماء، حطم جدار السجن بفأس واهرب» هكذا يقول جلال الدين الرومي، ويُمكنك أن تستعين بمقولته السابقة هذه لتلخيص نهجه الذي سار عليه، النهج الذي جعل به الملايين من الأشخاص يشعرون بمحبة الله وقربه، يشعرون بالأمل ولا يهربون من الألم، بل يدركون أن من الألم تُضئ قلوبهم وبالألم ينفذون إلى أرواحهم، كما يقول الرومي «لا بدّ للقلب أن ينكسر كي يدخل النور».

حاول الرومي تحطيم جدار سجن الدنيا واليأس والأسر، لينطلق في سماء العشق والحرية، فهو كما ينصح «لديك أجنحة، تعلم كيفية استخدامها وحلٍّق».




كان الفأس الذي استخدمه جلال الدين الرومي لتحقيق ذلك هو «المحبة»، والتي يقول عنها «فقط من أعماق قلبك يمكنك لمس السماء» ويشرح باستفاضة أكثر وجهة نظره في الحب قائلاً «هذا هو الحب: أن تطير نحو سماءٍ خفيّة، أو تتسبب في كشف مائة حجاب في كل لحظة، اهجر الحياة أولاً، وأخيراً، اخطُ دون أن تحرِّك قدميك».

جلال الدين الرومي وشمس تبريزي
مقبرة جلال الدين الرومي في قونية بتركيا

في تركيا وتحديداً في قونية يرقد جثمان جلال الدين الرومي، وعلى مدى مئات السنين لا يكاد يخلو ضريحه من الزائرين، قد يزيد عدد زوّار الضريح في الثلاثين من سبتمبر، مُتذكرين يوم ميلاد الرجل الذي لا ديانة واحدة تجمع زائريه سوى أنه لمس شيئاً ما في قلوبهم بكلمة أو جملة نقل لهم بها شعوراً حرَّر أرواحهم أو أعطاهم أمل بأن الحياة ليست عبثية تماماً، وإن لم يكن بها سوى شعوراً كـ»الحب» في قوته وبهجته وما يجلبه كذلك من لوعٍ واشتياق فهي تستحق أن تُعاش.

هكذا كان الرومي

شيخٌ يلتفُّ حوله تلاميذه يدرسون عليه الفقه والعقيدة وعلوم القرآن، من كبار الأعيان في مدينة قونية، عاصمة دولة سلاجقة الروم، هكذا كانت صورة جلال الدين الرومي، الذي تتلمذ على يد أبيه بهاء الدين ولد، الذي كان يلقّب بـ»سلطان العلماء» حينها لسعة علمه.

لكن الأمور لا تسير في خطٍ واحد دائماً، وقد أتى في لحظةٍ مفاجئة من قلب الصورة رأساً على عقب، شمس تبريزي، أستاذه الصوفي غريب الأطوار الذي لم يصلنا عنه شئٌ كثير سوى أشعار الرومي.

عودة للوراء قليلاً

ولد جلال الدين الرومي في مدينة بلخ في 30 سبتمبر عام 604 هجري/ 1207 ميلادي، وهي واحدة من مدن خراسان، كان والده من علماء الدين أيضاً وأحد أعلام عصره وكان مُلقباً بـ «سلطان العلماء»، وهو بهاء الدين بكري، المعروف باسم «بهاء الدين ولد».

خشي بهاء ولد على أسرته من خطر المغول، فغادر بلخ، وتنقَّل بين العديد من الدول، في وقتٍ كان فيه جلال الدين الرومي صبياً لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره بعد، إلى أن استقرت الأسرة في قونية، وعمل والده بالوعظ والإرشاد فيها أيضاً.

أكملت العائلة وجودها في تركيا، فحتّى بعد وفاة بهاء الدين ولد كان جلال الدين الرومي أحد كبار العلماء والأعيان بها، وقد تزوّج الرومي مرتين؛ الأولى منهما هي جوهر خاتون أم أولاده علاء الدين وسلطان ولد، والتي لم تعش طويلاً، أما الزوجة الثانية فهي كيرا خاتون والتي عاشت لما بعد وفاته.

شمس التبريزي
مقام ومسجد جلال الدين الرومي بقونية

لقاء الرومي بشمس

«ضع حياتك على خطّ النار، ورافق أولئك الذين يبقون تلك النار مشتعلة»، هكذا يقول الرومي في شعره، وهذا هو ما فعله شمس التبريزي، حينما التقى بالرومي. فقد أضرم الشيخ الصوفي النار في قلب العالم  الكبير، وحافظ على النار مُشتعلة ليظل ضوئها يُستنار به حتى بعد رحيل كليهما بمئات السنين عبر مؤلفاته وأشعاره.

شمس، رجلٌ غريب يرتدي ملابس الدراويش، ويجلس بالقرب من حلقة درس الرومي، مُنتظراً فرصةً للقائه. التقى الرجلان في سوق قونية، وقد تعدَّدت الأقاويل والروايات حول اللقاء الأول بينهما.

يقول بعض المؤرخين أن الرومي سقط مغشياً عليه خلال هذا اللقاء المفاجئ، لكن وإن لم يصل إلينا معلومة مؤكدة حول هذا اللقاء، إلا أن النتيجة التي أسفر عنها كانت هي المؤكدة، فقد انجذب الرومي لشمس، وترك كل شئ وراءه، واعتكف في بيته بصحبة أستاذه أياماً وليالي طويلة.

شمس تبريزي.. المُعلِّم الغامض الذي لا نعرف عنه كثيراً

محمد بن علي، أرسله والده إلى تبريز ليتلقى العلم ويدرس مذهب الشافعية، والبعض يقول أنه ولد في تبريز، و إليها يُنسب. أخذ التصوف عن شيوخها، ويقال أيضاً أن شمس جاء إلى قونية بناءً على رغبة شيخه ركن الدين والذي أرسله إلى جلال الدين، ليدخله في الطريق الصوفي.

لم يعد الرومي يرى سوى شمس، استاذه وخليله، ما جعل تلامذته يثورون ويغارون على أستاذهم من هذا الرجل الغريب، الذي جاء فجأةً وحرمهم منه ومن حلقات درسه.

سرت موجات الكراهية والضغينة تجاه شمس فارتحل تاركاً ورائه الرومي مكتوياً بنار العشق والشوق، كانت هذه هي المرة الأولى لرحيل شمس والتي عاد بعدها للرومي أما المرة الثانية لرحيله (أيضاً بسبب مؤامرات تلاميذ الرومي) فقد كانت بلا عودة ويُقال أنه قُتل في هذه المرة ولم يرحل، بل يقال أنّ أحد ولدي الرومي ضالعٌ في قتله.

جلال الدين الرومي - شمس تبريزي
الرقصة المولوية

نفّس الرومي عن شوقه لأستاذه وخليله شمس تبريزي بعد مقتله، من خلال كتابة أكثر من 80 ألف بيت شعر، ستون ألفاً منها في ديوان شمس تبريز، بالإضافة إلى أربعة وعشرون ألفاً أخرى وهي التي كونت كتابه الأكثر شهرة «المثنوي»، الذي تُرجم للعربية في 6 مجلّدات.

من الجرح الذي حدث بغياب شمس أو مقتله، تسلَّل النور إلى قلب الرومي، فعلم أنّ العشق أساسه (الله) الذي يتجلَّى فقط من خلال الأحبّة، سواءً كان هذا المحبوبُ استاذاً أو تلميذاً أو ابناً أو أباً، المهم ألّا يختلط عليك مصدر هذا الحب: الله، المستحقّ الأوحد لحبّ الإنسان.

عن الجرح يقول الرومي:

«الجرح هو المكان الذي يوجد فيه الضوء الذي يدخل إلى أعماقك»، و»لا تلتفت بعيداً، حافظ على بصرك على مكان جرحك، هناك حيث يدخل الضوء إليك»، وكأنّه برحيل شمس عنه أدرك أنّ شمس لم يكن سوى جرحاً استطاع من خلاله أن يرى نور العشق الإلهي من خلال العبادة الخالصة.

أثر لقاء جلال الدين الرومي وشمس تبريزي

لم يكن ديوان شمس تبريزي وديوان المثنوي (الثمانين ألف بيتاً من الشعر) هم كل نتاج لقاء الرومي بشمس، بل أنتجت هذه العلاقة بين الشيخ والمريد أيضاً «رقصة المولوية». في هذه الرقصة يدور الراقص كما يدور كلُّ شئ في الكون، المجرّات والأجرام السماوية و الإلكترونات حول النواة، كل شئ يدور، وبالمنطق نفسه يدور الراقص خلال رقصة المولوية.

ترمز الثياب البيضاء التي يرتديها الراقص إلى الكفن، والحزام على الوسط رمزاً للصبر، والقلنسوة على الرأس ترمز إلى شاهد القبر، خلال الرقص أنت تخرج من دنياك تماماً، وتدور كما يدور كل شئ في الكون.

في السابع عشر من ديسمبر عام 1273م، رحل الرومي عن هذه الحياة، ودُفن في ضريحه المعروف بقونية تاركاً ورائه إرثاً لا ينتهي ولا ينفد من المعاني الضاربة بجذورها في العشق والمحبة والتحليق في سماء العشق الإلهي.

تأثير الرومي في الغرب

كان للرومي تأثير على الكتاب والشعراء الغربيين وخاصة والت ويتمان، وهو شاعر أمريكي عاش خلال القرن التاسع عشر، وتُعدّ مجموعته الشعرية «أوراق العشب/ Leaves of Grass» علامة فارقة في الأدب الأمريكي، استوحى ويتمان قصائده من شعر الرومي وأصبح رسول التصوف في قصائده.

تمت ترجمة أوراق العشب إلى معظم اللغات الرئيسية في العالم، وتحتوي المكتبة العالمية على أمثلة بخمس وعشرين لغة، بما في ذلك الهولندية (1898) والقيرغيزية  (1970).

ساعدت أشعار الرومي في الرحلات الروحية لمشاهير آخرين، مثل الممثلة الإنجليزية، تيلدا سوينتون، وغالباً ما يوصف الرومي بأنه أفضل شاعر في الولايات المتحدة ، يُشار إليه عادةً بأنه صوفي/ قديس/ رجل مستنير.

وتم ترجمة ديوان المثنوي الذي كتبه الرومي باللغة الفارسية إلى ما يزيد عن 22 لغة في مُختلف أنحاء العالم.