راجح الخوري - النهار

وداعاً جاك شيراك! – راجح الخوري – النهار

كان ذلك في النصف الثاني من نيسان عام ١٩٧٧، كنتُ في مجلة “الحوادث”، أتولى رئاسة القسمين العربي والإسرائيلي، وكانت الصفحة الأخيرة تصدر بعنوان “إستراحة المحارب”، ويتناوب الزملاء على كتابتها دورياً. ذلك الإسبوع فاز جاك شيراك بمنصب عمدة باريس، بعد معركة مثيرة برز فيها محنكاً بارعاً وحازماً، وهو ربما الذي سيدفع الرئيس الفرنسي السابق جورج بومبيدو الى إطلاق لقب الجرافة عليه “le bulldozer” وكتبتُ يومها صفحة “إستراحة المحارب” بعنوان: إحفظوا هذا الإسم جاك شيراك رئيساً لفرنسا!

في ٢٧ أيار من عام ١٩٩٥ نجح شيراك في ان يصبح الرئيس الفرنسي، وفي العاشر من كانون الثاني، صُعقت عندما تلقيت رسالة شكر من مكتب الرئيس الفرنسي الجديد… غريب شيراك يتذكر مقالاً كتبه عنه قبل ١٨ عاماً صحافي مغمور في بلد مغمور؟




لكنها فرنسا يا سيدي، ولكنه شيراك يا سيدي، الذي سيفاجئني مجدداً في ١٦ كانون الثاني من عام ٢٠١٢، بأن يرسل الي في بيروت نسخة موقعة من كتاب مذكراته “الأوقات الرئاسية”. أنا لم أعرف ذلك الرئيس المدهش من قرب ولم اقابله قط، ولا أنكر أنني حاولت في ١٦ شباط من العام ٢٠٠٥، ان أتسلل لمقابلته طمعاً بمصافحة سريعة وشكر عميم، لكنني لم أوفق، فقد كان قد هبط فجأة في بيروت متجاوزاً البروتوكولات، وانتقل تواً من المطار ليقف مع زوجته برناديت منحنياً متأثراً دامعاً أمام ضريح صديقه الحميم الذي أحبه دائماً الرئيس الشهيد رفيق الحريري .

من الضريح الى قريطم لمؤاساة العائلة رافضاً ان يقابل أحداً من المسؤولين، في وقت كان البلد بحيرة تلاطم الحزن بالغضب، وليقول شيراك: “أتيت لأقدم التعازي الى زوجته وأولاده وعائلته ولاعرب للشعب اللبناني كله عن مدى تضامني اليوم أكثر من أي وقت مع حزنه وقدره. هذه الجريمة الشنيعة صدمت المجتمع الدولي، رفيق الحريري كان يحمل مُثل الديموقراطية والحرية من اجل لبنان… وان اغتيال رجل السلام والحوار يذكرنا بأساليب إجرامية من زمن مضى”.

أمس مات جاك شيراك الرئيس الفرنسي صديق لبنان المميز والذي أحب هذا البلد أكثر من كثير من اللبنانيين أنفسهم، بعدما لعب دوراً بارزاً على مدى أعوام في قيادة فرنسا التي تتناوب على محبة لبنان، ليس لأنه بلد فرانكوفوني، بل لأنه يبقى رغم كل المؤامرات عليه، علامة فارقة في الديموقراطية والحرية في هذه المنطقة .

مات جاك شيراك الذي هندس مع صديقه رفيق الحريري مؤتمرات باريس ١ و٢ حاشداً أكثر من ٤٥ دولة لدعم لبنان، وملتزماً من عميق قلبه مساعدة لبنان في باريس ٣ رغم جريمة قتل الحريري ورفاقه، وواضعاً من خلال إبراز تمسك فرنسا بدعم لبنان، القاعدة السيكولوجية والسياسية والأخلاقية، التي يتبناها الآن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يرعى “مؤتمر سيدر”بالحماسة نفسها، التي عرفناها من شيراك، الرؤيوي الذي عارض مثلاً حتى اللحظة الأخيرة حرب جورج بوش الابن على العراق.

مات جاك شيراك الذي أحب لبنان كما أحب صديقه الشهيد والرفيق، وستبقى بصماته مميزة وحارة وأخوية فوق صفحة العلاقات اللبنانية – الفرنسية.