//Put this in the section

جاك شيراك.. جسّد الحياة السياسية الفرنسية بكل تناقضاتها

توفي الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، الخميس، الموافق 26 سبتمبر/ أيلول عام 2019، عن عمر ناهز الـ86 عاما، طاويا معه إحدى أطول الصفحات السياسية في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية التي أطلقها الجنرال ديغول عام 1958، بعد أن فرض نفسه كأحد أبرز وجوه الحياة السياسية الفرنسية بكل تناقضاتها على مدى 40 عاماً تولى خلالها كل المناصب السياسية تقريباً.

وفاة شيراك (1932- 2019) أتت بعد أن لزم فراش المرض لسنوات، إذ يعود آخر ظهور علني له في حفل رسمي إلى نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2014. فقد تعرض منذ سبتمبر/ أيلول عام 2005 أثناء فترته الرئاسية الثانية، لجلطة دماغية أدت إلى تدهور صحته، قبل أن يتوارى تدريجياً عن الأنظار خاصة بعد أن غادر قصر الإليزيه عام 2007، وحكم فرنسا لفترتين رئاسيتين متتاليتين من (1995- 2007) ، فكان بذلك الرئيس الفرنسي الذي يقضي أطول فترة في الإليزيه بعد سلفه الاشتراكي فرانسوا ميتران ( 1981- 1995)، الذي فرض عليه شيراك نفسه كرئيس للحكومة، في أول مرة تشهد فيها فرنسا ما يعرف بـ‘‘حالة التّعايش’’. وهي وضعية تذهب فيها الأغلبية البرلمانية إلى حزب معارض لحزب الرئيس.




شيراك، كان أيضا عمدة لباريس من (1977- 1995). وقد أدين في عام 2011، باختلاس أموال عامة واختلاق وظائف وهمية خلال الفترة التي كان فيها عمدة العاصمة الفرنسية. وهذا الملف ساهم إلى حد كبير في تعكير مسيرته السياسية الداخلية التي كان من محطاتها البارزة الخلاف العميق بينه مع الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان، والذي دفعه إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة، ليؤسس حزباً جديداً عام 1976 أطلق عليه اسم “التجمع من أجل الجمهورية”. بل إن شيراك ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قدّم دعماً خفياً لخصمه الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، وساهم في فوزه عام 1981 على جيسكار ديستان. ويؤكد المراقبون أنّ مناورة شيراك هذه كان الهدف منها انتزاع زعامة تيار اليمين الديغولي من أيدي جيسكار ديستان.

ومن المفارقة أن جاك شيراك الذي يعد أحد الرموز التاريخيين لليمين الديغولي، كان يسارياً في شبابه. فبعد حصوله على شهادة الباكالوريا عام 1951، دخل المعهد السياسي بباريس وانضم إلى الطلاب الاشتراكيين المتأثرين بميشال روكار.

ورغم المطبات التي خيمت على مسيرة شيراك والقضايا الداخلية التي سممت نوعاً ما حياته السياسية، فإن جاك شيراك استطاع أن يحظى بشعبية واسعة داخل فرنسا، حيث قال عنه زعيم اليسار الراديكالي الحالي جان ليك ميلانشون: “برحيل شيراك .. تاريخ فرنسا يطوي صفحة من صفحاته .. كان يحب فرنسا والفرنسيين”. ولكن الرئيس اليميني الأسبق كان يحظى أيضا بشعبية كبيرة خارج فرنسا، لا سيما في العالم العربي، لعدة أسباب واعتبارات منها موقفه الشجاع الرافض للحرب الأمريكية الثانية على العراق عام 2003. وقد وُصف هذا الموقف بـ”الشجاع” و”التاريخي” لأن شيراك رفض مشاركة الجيش الفرنسي في غزو العراق إلى جانب الجيشين الأمريكي والبريطاني. وهذا ما تذكرته عمدة باريس الاشتراكية آن هيدالغو قائلة: “كان الرجل الذي وقف في لحظة تاريخية ضد تدخل عسكري غير شرعي في العراق”. وعلى نفس المنوال تحدثت مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف فقالت: “رغم كل الخلافات معه؛ لكن شيراك كان الرئيس الذي وقف ضد الحرب الحمقاء في العراق، منعشا بذلك الموقف الفرنسي التقليدي” .

واقعة القدس

عرف عن جاك شيراك الراحل أيضا بأنه أفضل خلف للجنرال ديغول بالنسبة إلى الصراع العربي الإسرائيلي. فقد دعم القضية الفلسطينية وربطته علاقة صداقة قوية بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي كان يلقبه بـ”الدكتور شيراك”. والحقيقة أن هذا الدعم لم يكن على حساب العلاقات الفرنسية- الإسرائيلية. كما يتذكره الفلسطينيون والعرب من خلال “واقعة القدس” عام 1996، عندما هدد بالعودة إلى فرنسا بعد أن حالت قوات الاحتلال الإسرائيلي دون توجهه لإلقاء التحية على بعض المواطنين الفلسطينيين، وهو ما اعتبره “استفزازاً”. وتبقى صورته وهو يذرف الدموع ويترحم على صديقه ياسر عرفات، في مستشفى “كلامار العسكري” بالضاحية الباريسية، راسخة في أذهان الفلسطينيين. وهذا ما يفسر عنوان خبر إعلان وفاته في موقع “إسرائيل نيوز”:  وفاة شيراك صديق الفلسطينيين الكبير”.

كما تمتع شيراك بصداقة قوية مع العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، الذي اعتبر أنه ساهم في تعريفه أكثر بالعالم العربي. ويحظى باحترام كبير في الجزائر. ولكن أيضا كان صديقاً مقرباً جداً من رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.