بعد إلغاء لقاء ميركل والسيسي.. لهذا أدانت ألمانيا «القمع» ولم تقتنع بفزاعة «الإسلام السياسي»

كان هناك لقاء بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكن تم إلغاؤه، ونددت ألمانيا بحملات القمع والاعتقالات التي تحدث في مصر، فماذا يعني ذلك ولماذا ألمانيا تحديداً التي اتخذت هذا الموقف؟

ماذا حدث؟




تزامن إعلان الحكومة الألمانية عن اللقاء الملغى مع إعرابها أمس الأربعاء 25 سبتمبر /أيلول عن موقفها من حملة الاعتقالات التي تجري في مصر، كاشفة عمّا أوضحته في مجلس حقوق الإنسان حول الموضوع ذاته، كما أوضحت أسباب إلغاء لقاء كان مقرّراً بين المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس عبدالفتاح السيسي، بحسب موقع دويتش فيله الألماني.

كان هناك لقاء مجدول بين ميركل والسيسي، الإثنين 23 سبتمبر /أيلول في نيويورك على هامش قمة الأمم المتحدة وتم إلغاؤه، لكن الأسباب ليست «سياسية»، وفق ما صرّح به المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت، بل «لوجيستية»، وتحديداً لـ «ازدحام حركة النقل في نيويورك، وازدحام جدول مواعيد ميركل والسيسي».

«أفرجوا عن المعتقلين»

طلبت الحكومة الألمانية، على لسان وزارة الخارجية، من السلطات المصرية الإفراج عن الأشخاص الذين لم تُوجه لهم أيّ اتهامات، واعتُقلوا حديثاً في البلاد، على خلفية مظاهرات الجمعة الماضي التي رُفعت فيها شعارات تطالب برحيل الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وأشار متحدث باسم الوزارة، الأربعاء 25 أيلول/سبتمبر 2019، إلى القبض على نحو ألف شخص بعد المظاهرات، وفقاً لمعلومات وصفها بغير المؤكدة، مضيفاً أن ألمانيا أوضحت في مجلس حقوق الإنسان في جنيف أنه «من وجهة نظرنا لن يسهم تنامي قمع المجتمع المدني والصحافة الحرة في استقرار مصر».

وتابع المتحدث: «بل على العكس من ذلك، القمع المتنامي سيؤدي إلى تشدد وتطرف عنيفين». وأوضح قائلاً إن ألمانيا «تفترض أن الأشخاص الذين لم تتمكن السلطات من توجيه اتهامات إليهم، سيتم إطلاق سراحهم فوراً».

واعتقلت السلطات المصرية أكثر من 1100 شخص منذ يوم الجمعة الماضي، وفق ما صرّح به جمال عيد، من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، لافتاً إلى أن منظمته ومنظمتين أخريين، هما المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، وثقت هذا الرقم.

ووفق مصادر متعددة، اعتُقلت كذلك شخصيات سياسية وأكاديمية معروفة، كخالد داوود، عضو الحركة المدنية الديمقراطية، وحازم حسني، المتحدث السابق باسم حملة قائد الجيش السابق سامي عنان، وحسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية.

كيف ترى ألمانيا ما يحدث في مصر الآن؟

ورغم محاولة السيسي، الموجود حالياً في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، توجيه اتهام غير مباشر لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر بإثارة الاحتجاجات عندما قال إن اللوم يقع على «الإسلام السياسي»، ورغم حملة الاعتقالات الواسعة التي تجاوزت ألف شخص، وتكثيف الأمن تواجده في الميادين الرئيسية في المدن الكبرى، إلّا أن أسباب الاحتجاجات تضع البلاد على المحك، بحسب تقرير لدويتش فيله.

وتراجعت سندات مصر الدولارية وضاعت المكاسب التي حققها المؤشر الرئيسي للأسهم عام 2019 خلال ثلاثة أيام فحسب من الاحتجاجات.

وقال ألين سانديب، رئيس البحوث لدى النعيم للوساطة المالية، لدويتش فيله، إن السلطات قد تعالج أسباب الشكاوى من خلال زيادة المنح المالية والمعاشات والتأمين للفقراء وإنشاء وحدات سكنية لأصحاب الدخول المنخفضة وهي إجراءات قد يوافق عليها صندوق النقد الدولي.

ورغم قيام القاهرة بإصلاحات اقتصادية أدت إلى استقرار الجنيه المصري، لم تتمكن الدولة من توفير فرص عمل من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية، وهو الاستثمار الذي تراجع في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات على الأقل.

ويعيش المصريون ضغطاً كبيراً بعد تطبيق الدولة ضريبة القيمة المضافة وخفضها قيمة العملة ورفعها أسعار الكهرباء والوقود، وقد أدت الإجراءات التقشفية إلى ارتفاع عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ وصل الرقم إلى 32.5٪ في السنة المالية 2018/2017 بعد أن كانت النسبة 27.8٪ قبل عامين.

وتعدّ صعوبة الحياة هي الدافع وراء الاحتجاجات، إذ قال مصريون إنهم قد يشاركون في المظاهرات القادمة إذا ما تأكدوا من مشاركة أعداد كبيرة وذلك من أجل سلامتهم.

وقال محمد زارع، من معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان غير الحكومي: «ما حدث تحذير خطير للغاية. الوضع ليس تحت السيطرة بالكامل»، مضيفاً: «معظم الناس الذين خرجوا إلى الشوارع ليسوا أعضاء بأحزاب سياسية منظمة، ما يوضح مدى الغضب العام».

وتوقعت ميشيل دون، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أنه «إذا لم تنظم الاحتجاجات خلال هذا الأسبوع، فسوف تعود على الأرجح في الأسابيع والشهور القادمة».

لماذا ألمانيا؟

أسباب الموقف الألماني مما يحدث في مصر الآن تتعلق بشقين؛ الأول مرتبط بموقف ضلعي المثلث الأوروبي الآخرين فرنسا وبريطانيا، حيث إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشغول حالياً بالوساطة بين إيران والولايات والمتحدة وفي نفس الوقت هناك الملف الليبي الذي يتحالف فيه ماكرون والسيسي في دعم خليفة حفتر، وبالتالي ليس منتظراً أن يتطرق الرئيس الفرنسي لملف حقوق الإنسان في مصر الآن تفادياً لإحراج حليفه المصري.

رئيس وزراء بريطانيا يتعرض لزلزال بريكست الذي ربما يطيح بمستقبله والمملكة المتحدة عموماً مشغولة بصورة كاملة بشأنها الداخلي العاصف، ومن غير المتوقع أن يكون هناك موقف مما يحدث في مصر، خصوصاً أن جونسون نفسه يميني لا تشغله كثيراً قضايا حقوق الإنسان والحريات بشكل عام.

ألمانيا إذن هي الوحيدة أوروبياً التي تنعم باستقرار نسبي يسمح لها بلعب دور على الساحة الدولية وهو ما تفعله حالياً في الملف الليبي والإعلان عن وساطة ألمانية وعقد مؤتمر دولي قريباً في برلين في محاولة للتوصل إلى حل دبلوماسي هناك.

شخصية ميركل ومواقفها السياسية

على المستوى الشخصي، ميركل سياسية تنتمي لتيار الوسط الليبرالي المدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا يفسر انعدام الكيمياء على المستوى الشخصي بينها وبين السياسيين المنتمين لليمين القومجي أمثال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجونسون والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي تربطه علاقات قوية بترامب، وقد وصف ساكن البيت الأبيض نظيره المصري بديكتاتوره المفضل مؤخراً.

ومع تنامي حملة القمع والاعتقالات في مصر ووصولها لمستوى خطير باستهداف قيادات الأحزاب المدنية وأساتذة الجامعات، إضافة لشباب وشابات غير منتمين لأي تيارات سياسية، من المرجح أن تتوتر العلاقات بين ميركل والسيسي في الفترة المقبلة.