تعيين نواب الحاكم من تأجيل إلى تأجيل: المحاصصة أولاً والأزمة النقدية خارج الاهتمامات

سلوى بعلبكي – النهار

تقول الرواية إن مريضا أدخل بشكل طارئ الى مستشفى بسبب كسر في الجمجمة سبب له نزفا حادا. تلقفه الأطباء وكل العاملين في المستشفى، فعمدوا الى إجراء عمليات تجميل وشفط دهون، من دون الالتفات الى السبب الرئيسي الذي أدخل بسببه، فيما الخطر المحدق بحالته يتعاظم، حتى بات اقرب الى الموت. لماذا نسوق هذه الرواية؟ لأن حال المريض يشبه وضع لبنان، فيما المعالجات الحكومية “سطحية” للازمات المالية والاقتصادية العميقة والبنيوية التي يعانيها. فالغصة تخنق كل متابع لأداء الحكومة وقراراتها، واقتسامها جبنة التعيينات بين مكوناتها، وخصوصا في المؤسسات التي يمكن الافادة منها والإفاضة في تعيين الموالين والأزلام فيها. الوضع الاقتصادي على شفا الانهيار، فيما يئن الوضع المالي من ثقل الضغوط على الليرة وفقدان العملة الخضراء من الأسواق، وجشع الصيارفة والتجار ينهش لحم اللبنانيين، والموازنة تستغيث بـ”سيدر” لسد العجز. الدولة تتحاصص التعيينات وتهرول الى تعيين رؤساء ومديرين عامين وأعضاء مجالس إدارات في “إيدال” والمجلس الاعلى للخصخصة وغيرهما. وبالرغم من أهمية ملء كل الشواغر في المؤسسات، إلا أن المعنيين لم يجدوا من الملحّ المبادرة الى تعيين نواب حاكم المصرف المركزي الأربعة الذين انتهت ولايتهم أواخر آذار الماضي، فيما يحتاج الحاكم أكثر من أي وقت الى وجود مجلس مركزي يعينه على تحمل المهمات ويشاركه القرارات الضرورية والمصيرية لانتظام عمل “معقل الليرة”، في ظل الإنهاك الواضح الذي يصيب العملة الوطنية وأزمة السيولة، والخطر على المصارف اللبنانية من عقوبات أميركية جديدة. الليرة في خطر، والدولة تترك أعلى مرجعية لها في شغور مقصود، لأن التوافق على اقتسام الجبنة لم ينضج بعد. وهذا الوضع ينطبق على مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان التي تعتبر أكبر وأضخم مؤسسة تتكبد عليها الدولة المليارات سنويا، وتحتكر قطاع الكهرباء بكامل أدواره. وقد عيّن هذا المجلس في كانون الثاني 2002 وانتهت ولايته سنة 2005، ولا يزال المسؤولون يغضّون الطرف عن تعيين مجلس جديد، وينشرحون للفراغ المشبوه فيه، حيث يطلقون أيديهم في التفرد بالقرارات والتوظيفات العشوائية.




نواب الحاكم؟

في نهاية آذار الماضي، انتهت ولاية نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة: رائد شرف الدين وسعد العنداري ومحمد بعاصيري وهاروت ساموئيليان الذين عينوا للمرّة الأولى عام 2009، وجدد لهم عام 2014 لمدة خمس سنوات بحسب المادة 18 من قانون النقد والتسليف. وعلى الرغم من دقة الوضع المالي والاقتصادي، لا يزال الصراع على هذه التعيينات على أشده، وإن كان التوافق بات شبه محسوم على شرف الدين وبعاصيري. فرئيس مجلس النواب نبيه بري متمسك برائد شرف الدين، فيما رئيس الحكومة سعد الحريري مصرّ على بعاصيري الذي أسندت اليه مهمة الاشراف على التصفية الذاتية لـ”جمّال تراست”، ومن المتوقع أن يبدأ عمله غدا الجمعة مع تطمينات أن هذا المنصب لن يؤثر على قرار عودته الى منصبه كنائب ثالث لحاكم مصرف لبنان.

أما بالنسبة الى الموقع الدرزي، فإن مصادر الحزب التقدمي الاشتراكي أكدت لـ”النهار” استمرار ترشيحها للمصرفي فادي فليحان بدلا من سعد العنداري، في حين يصر النائب طلال أرسلان ورئيس “حزب التوحيد” وئام وهاب على تعيين فؤاد أبو الحسن، وان كان ثمة معلومات اخرى تؤكد ان خيار “الاشتراكي” سيتم اعتماده بالاتفاق مع الرؤساء الثلاثة.

لكن العقدة الابرز هي في تعيين نائب الحاكم المسيحي، إذ يصر وزير الخارجية جبران باسيل على تعيين غربيس إيراديان، فيما لا يبدو أن حزب الطاشناق سيتنازل بسهولة لمصلحة مرشح “التيار”، وهو يتمسك بهاروت ساموئيليان في حال التجديد لنواب الحاكم. أما في حال اختيار اسماء جديدة فإن ثمة أسماء أخرى وفق ما يؤكد النائب اغوب تارازيان لـ”النهار”. ويشدد على عدم تنازل حزب الطاشناق عن هذا المركز لأي كان، “واختيار الاسم يجب أن يكون محصورا بحزب الطاشناق لكونه يعرف أكثر من غيره بمحيطه الارمني والكفايات الموجودة فيه”.

ولا تستبعد مصادر متابعة أن تستمر أزمة تعيين نواب الحاكم لفترة طويلة أقله لما بعد السنة الجديدة، وهو أمر مستغرب في رأيها لأن بعض القوى الاساسية المشاركة في السلطة والحكومة تمعن في انتقاد اداء الحاكم وسياساته النقدية، في حين لا تنبس ببنت شفة عن الفراغ في مجلس الحاكمية، حيث يصبح الحاكم حاكما بأمره وصاحب سلطة أحادية شبه مطلقة من دون شريك وفقا للقانون وضرورات المصلحة العامة… وتسأل: “أين صدقية هؤلاء حين يتغاضون عن مصلحة عليا خوفا من زعيم او رئيس حزب او تيار سياسي يمارس “الفيتو” لانه عجز حتى الان عن تمرير اسم يريده؟ وأين صدقية الرؤساء الثلاثة في الحرص على تفعيل عمل المؤسسات العامة والسلطات النقدية لضمان الشفافية من جهة وحماية المؤسسات المالية والمحافظة على النظام المصرفي والاستقرار النقدي من جهة أخرى؟”.

غير أن مصادر مواكبة ترى أن “التأخير في بت مسألة تعيين نواب الحاكم له خلفيات أبعد، إذ إن الهدف هو إضعاف الحاكم وارباكه من خلال تركه يتصدى بمفرده للازمات المصرفية والنقدية”.

وإذ تلفت المصادر عينها الى أن ثمة أزمة أخرى مقبلة قد تضعف الحاكم أكثر وتعرقل قدرة المركزي على ضبط المصارف، وتتمثل بالفراغ الذي يمكن أن يصيب لجنة الرقابة على المصارف المفترض أن تنتهي ولاية اعضائها في آذار المقبل، تعتبر أن الهدف هو زرع تعيينات موالية لجهة معينة في السلطة بغية محاصرة سلامه وتكبيل حركته.

وعلى الرغم من حض مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي على التعجيل في تعيين نواب الحاكم، وقد علمت “النهار” أنه حصل على تأكيدات من رئيسي مجلس النواب والحكومة لمعالجة هذه المسألة، تؤكد المصادر عينها أن المعنيين غير واعين لخطورة الوضع في ظل المراقبة الحثيثة لوكالات التصنيف للوضع في لبنان، والتي تأخذ في الاعتبار عدم وجود مجلس مركزي يضع السياسة النقدية والمصرفية.

صلاحيات المجلس المركزي؟

وضع السياسة النقدية والمصرفية هو من أبرز مهمات المجلس المركزي، ولا يمكن الحاكم إصدار اي تعاميم في غيابه. إلا أن الحاكم، وبتعليل قانوني، يعمد الى اصدار التعاميم مع وضع عبارة “بناء على المصلحة العليا”، وهو ما حصل من خلال موافقته على التصفية الذاتية لـ”جمال ترست بنك” التي هي في حاجة الى الموافقة النهائية من المجلس المركزي.

ويتمتع المجلس المركزي ضمن نطاق الصلاحيات المعطاة للمصرف بمقتضى المادة 33 من قانون النقد والتسليف وانشاء المصرف المركزي بالصلاحيات الآتية (دون أن يكون لهذا التعداد طابع حصري): يحدد سياسة المصرف النقدية والتسليفية، يضع أنظمة تطبيق هذا القانون. يحدد، في ضوء الاوضاع الاقتصادية، معدل الحسم ومعدل فوائد تسليفات المصرف، ويتذاكر في جميع التدابير المتعلقة بالمصارف، وفي انشاء غرف المقاصة وتنظيمها، وفي الامور المتعلقة بالاصدار، وطلبات القروض المقدمة من القطاع العام. يضع سائر الانظمة المتعلقة بعمليات المصرف، ويتذاكر في الشؤون المتعلقة بعقارات المصرف، أو بحقوقه العقارية، كما في رفع الحجوزات العقارية أو الاعتراضات أو التأمينات العقارية وفي التنازل عن الامتيازات او الحقوق وفي مشاريع التحكيمات والمصالحات المتعلقة بمصالح المصرف. يضع النظام الخاص المتعلق بالحاكم وبنائبي الحاكم، والمنصوص عليه في المادة 22 والنظام العام لموظفي المصرف.

نواب الحاكم… بالاعوام؟

أمضى النائب الاول لحاكم مصرف لبنان رائد شرف الدين والنائب الثاني سعد العنداري 10 سنوات في مركزهما، فيما تنقل النائب الثالث محمد بعاصيري منذ عام 1990 بين لجنة الرقابة على المصارف ولجنة التحقيق الخاصة، ومنصب نائب حاكم مصرف لبنان. أما النائب الرابع هاروت ساموئيليان فأمضى نحو 20 عاما في مركزه.