//Put this in the section

رجل الظل في مصر.. قصة توغُّل محمود السيسي وهيمنته على جهاز المخابرات العامة

بينما بدأ المصريون يلتفتون إلى فيديوهات الفنان ومقاول الجيش محمد علي، والتي يهاجم فيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ويتهمه بإهدار المال على القصور، صعد نجم محمود السيسي نجل الرئيس، الذي يعمل بالمخابرات العامة المصرية.

نجل الرئيس الذي كان قبل 6 سنوات ضابطاً برتبة رائد ثم أصبح عميداً بالمخابرات العامة، تردد اسمه كثيراً على أسماع المصريين بصفته العقل الذي يدير الأجهزة الأمنية للدولة، ويتحكم في عديد من الملفات الكبرى.




نشطاء مثل وائل غنيم ومسعد أبو فجر، حملوه المسؤولية المباشرة عن كثير من الانتهاكات، خاصةً تلك التي نشهدها بشكل دائم في سيناء.

تزامن مع توجيه أصابع الاتهام المباشر للمرة الأولى إلى نجل الرئيس، تأكيد عديد من المصادر لـ «عربي بوست» كيف أصبح الشاب الثلاثيني هو المسؤول الأول عن إدارة غرفة العمليات التي تدير ملف التصدي للمقاول ورجل الأعمال محمد علي.

مهمة البحث عن محمود السيسي؟

محاولة التعرف على شخصية الرجل، والملفات التي أصبح مسؤولاً عنها، أو حتى الوصول الى صورة واضحة له كانت أشبه بالعملية المستحيلة.

لكن مع بحث استمر  أكثر من 7 أيام، اعتمد فيه «عربي بوست» على مجموعة من المصادر والمراسلين، تمكنا من التوصل إلى نوعين من المعلومات: الأولى هي تلك المعلومات الأُسرية المتداولة عن الشاب الثلاثيني منذ تولي والده السلطة قبل نحو 5  سنوات، والأخرى وهي الأهم التي حصلنا عليها من مصادر متطابقة تعاملت عن قرب مع محمود السيسي، وعملت معه داخل المخابرات العامة.

قفزة سريعة

محمود هو الابن الأكبر للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وهو متزوج بنهى التهامي ابنة رئيس شركة «بيبسي مصر» سابقاً.

فور تخرجه في الكلية الحربية التحق بسلاح المشاة فترة وجيزة، ثم التحق بجهاز الاستطلاع قبل انتقاله إلى جهاز المخابرات العامة، حيث انضم إليها برتبة رائد.

لكن خلال 4 سنوات فقط، قفز محمود السيسي سريعاً عبر ترقيات استثنائية ليصل إلى رتبة عميد، وأُسند إليه منصب مدير المكتب الفني بالجهاز في أثناء تولي اللواء خالد فوزي إدارة جهاز المخابرات العامة.

السيسي أراد تصفية حساباته مع المخابرات العامة

كانت هناك خلافات أساسية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما كان بمنصب مدير المخابرات الحربية، وبين المخابرات العامة ومديرها عمر سليمان حول كيفية إدارة البلاد.

وحسب مصادر لـ «عربي بوست» فإن أول الخلافات التي  دبت بين السيسي وسليمان، كانت عندما أصبح الأخير نائباً لرئيس الجمهورية خلال فترة ثورة يناير، إذ رفض سليمان طلب السيسي تعيين نجله محمود في المخابرات العامة.

السبب وراء هذا – بحسب المصادر – يعود إلى أن سليمان أدرك الدور الدولي الذي يمكن أن يلعبه السيسي مستقبلاً وتفريطه في قضايا تعتبر أمن قومي لمصر، وهو ما كان يظهر خلال المناقشات بين الرجلين.

عندما أصبح السيسي رئيساً، أدرك بوضوح أنه لن يحكم قبضته على البلاد إلا بالسيطرة التامة على جهاز المخابرات العامة، خصوصاً وأن من يديره هم أتباع عمر سليمان والذين يحملون نفس العقلية.

بدأ السيسي في تصفية جهاز المخابرات العامة، فعين أولاً رجل المخابرات الحربية محمد فريد التهامي رئيسا للجهاز، وعين نجله محمود مديراً في المكتب الفني لمدير المخابرات العامة بعدما نقله من المخابرات الحربية.

ورغم أن هذه الوظيفة كانت أقرب إلى كونها وظيفة إدارية، لكن تعيين محمود جاء ليكون عيناً لوالده ليتمكن من تجميع معلومات عن جميع قيادات الجهاز وولائهم واتجاهاتهم وكيف يفكرون، حتى تتم بعد ذلك عملية التصفية النهائية.

بدأ محمود السيسي يزود والده بقوائم أعضاء الجهاز الذين يتوجب التخلص منهم، وبالفعل أحال السيسي عدداً كبيراً منهم إلى التقاعد، وهم حمود عادل أبو الفتوح، وسامي سعيد الجرف، وأشرف سعيد الخطيب، ومحمد مصطفى سعودي، وخالد سعد الدين الصدر، ونيفين أمين إسماعيل، ومصطفى زكي عكاشة، ومحمد علاء عبد الباقي، وماجد إبراهيم محمد، وعلي محمد خير الدين الدناصوري وعادل أحمد محمد إسماعيل.

و في ديسمبر/ كانون الأول 2014، قرر السيسي إحالة رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء محمد فريد التهامي للتقاعد بعد أكثر من عام على توليه منصبه.

لكن جناح عمر سليمان ظل قائماً

وبحسب مصادر مطلعة، فقد كان جناح عمر سليمان وراء تسريب أدلة مقتل الطالب ريجيني، لذلك كان يجب التخلص نهائيا من أي قيادة أو حتى ضابط أو موظف صغير كان يعمل في الجهاز إبان حقبة عمر سليمان.

وبالفعل تم تعيين اللواء عباس كامل رئيساً صورياً للجهاز، حسب ما ذكرت المصادر التي كانت تعمل بالنخابرات العامة سابقاً، وتعيين نجله محمود نائباً له بعد ترقيه من رتبة رائد إلى عميد في غضون 4 سنوات، متخطياً كافة الأعراف العسكرية، ودون المرور بأي دورة تدريبية واحدة في جهاز الأمن القومي.

وقالت مصادر أخرى إن جهاز المخابرات العامة كان يقف وراء حملة جمع التوكيلات للفريق سامي عنان في بعض المحافظات حتى يكون هناك مرشح منافس للسيسي في انتخابات 2018، وهذا بسبب عدم رضا المخابرات العامة على العديد من قرارات السيسي التي أوصلت البلاد لتلك المرحلة.

لذلك استمرت عملية الإقالات بإشراف كامل من محمود السيسي حتى وصلت إلى 119 مسؤولاً بالجهاز، بينهم قيادات رفيعة، ووكلاء لرئيس الجهاز، بالإضافة إلى سحب الكثير من اختصاصات عمل المخابرات العامة، وتقزيم دوره لصالح المخابرات الحربية .

محمود السيسي بعد عملية تفكيك جهاز المخابرات أصبحت له الكلمة العليا هناك، وأصبح يدير كافة الملفات من فندق «الفيرمونت» على الطريق الدائري بالقرب من منطقة التجمع الخامس بالإضافة إلى محل سكن والده.

ومن أبرز الملفات التي يديرها ملف سد النهضة وملف القضية الفلسطينية وحماس، وجميعها فشل في إدارتها أو تحديداً «فشل عن عمد»، بحسب ما ذكرته المصادر. وهو ما يؤكد ما قاله عمر سليمان من قبل لمقربين منه أن السيسي جاء لمصر لتنفيذ أجندة إقليمية ودولية تتعارض مع مصلحة الأمن القومي المصري.

لماذا اعتمد السيسي على ابنه بهذه السرعة؟

فكرة «الانقلاب» هي كلمة السر في حياة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. إذ إن تاريخ الرجل قصة مكررة: تبدأ بالتقارب من أحدهم ثم تبدأ علاقة ثقة متبادلة بينهما، لتنتهي بانقلاب على هذا الصديق والإطاحة به.

بدأ الأمر مع المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري في فترة ما بعد ثورة يناير 2011، والذي كان يعتبر عبدالفتاح السيسي ابناً له وهو من أدخله المجلس العسكري رغم حداثة سنه.

وتكررت القصة مؤخراً مع نسيبه وصديق عمره الفريق محمود حجازي الذي تولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة منذ 2014، قبل أن يطيح به السيسي.

وبالطبع حدث ذلك أيضاً مع الرئيس الراحل محمد مرسي الذي عيَّنه وزيراً  للدفاع ليطيح به وبحكمه، والبرادعي وجبهة 30 يونيو اللذين تحالف معهما ثم أطاح بهما واحداً تلو الآخر بعد الوصول لمنصب الرئاسة.

بات واضحاً أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لا  يثق بأحدٍ حوله، وهو ما يفسر لماذا خص ابنه محمود بهذه المكانة دون غيره، فدفع بمحمود إلى جهاز المخابرات العامة والذي أصبح عملياً الرجل الثاني في مصر، بحسب مصادر متطابقة.

الولد سرُّ أبيه

يبدو أن العميد محمود يسير على خطى أبيه نفسها، إذ تقرب نجل السيسي من قادة جهاز المخابرات العامة ثم كان له دور في الإطاحة بعديد من تلك القيادات، الذين كان منهم  اللواء خالد فوزي، مدير المخابرات العامة ذاته.

وبحسب تقارير متعددة فقد أوكل إلى محمود السيسي مهمة قطاع الأمن الداخلي، ليتمكن من توجيه ضربات متتالية لمعارضي والده داخل الجهاز، إذ أقال نحو 17 قيادة بالمخابرات العامة على خلفية أزمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، إلى جانب التخلص من رئيس الجهاز السابق خالد فوزي، ليصبح نجل السيسي الرجل الأهم بأقوى قسم في المخابرات المصرية.

ووصل نفوذ محمود السيسي إلى الدرجة التي جعلت البعض يتحدث داخل أروقة المخابرات العامة عن تخطيه صلاحيات اللواء عباس كامل نفسه الذي عيَّنه الرئيس عبدالفتاح السيسي مديراً للجهاز، حتى يُحكم سيطرته الكاملة على الجهاز.

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ «عربي بوست»، فإن نجل السيسي «ركن» عباس كامل فعلياً بمساعدة والده بالطبع، وأصبح محمود هو المتحكم الحقيقي وليس مجرد وكيل للجهاز، وهو الوضع الذي شعر معه عباس كامل بالغضب الشديد من تهميشه بهذه الطريقة.

أحد العاملين المدنيين بالمخابرات العامة، والذي رفض بالطبع الكشف عن اسمه، تحدث لـ «عربي بوست» عن حقيقة الصدام بين محمود السيسي وعباس كامل، قائلاً: «لا علم لي بطبيعة وحجم هذا الصراع، لكن الذي يمكنني تأكيده أن أغلب التعليمات مؤخراً أصبحت تصدر من العميد محمود وليس من اللواء عباس».

وأوضح المصدر أن وجود اللواء عباس كامل مؤخراً في مقر الجهاز قلَّ كثيراً، «لكن لا أعلم إذا كان هذا يتم بالتنسيق بينهما أم أن العميد محمود أزاحه إلى حد ما»، على حد تعبيره.

جميع القادة تحت إمرته

وفي أعقاب ظهور فيديوهات رجل الأعمال والمقاول المصري محمد علي التي تكشف فساداً كبيراً داخل المؤسسة العسكرية المصرية وتوجيهه اتهامات مباشرة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وزوجته بالفساد وإهدار المال العام، أصبحت الدولة المصرية مجندة كلها لمحاربة هذا العدو الجديد.

إذ كلف الرئيس عبدالفتاح السيسي نجله محمود وضع خطة التصدي لمحمد عليّ المقاول المتمرد الذي كان يعمل مع الجيش المصري ثم انقلب عليه وكشف عن خفايا إمبراطورية البناء التابعة له، وشبهات الفساد التي تدور حولها، حسب ما ذكرته مصادر لـ «عربي بوست».

وقد وضع (نجل الرئيس) برنامج التعامل مع الأزمة على عدة محاور، بينها المحور الإعلامي والمحور المالي عبر تهدئة المتعاملين المدنيين مع الجيش.

وفي الوقت الذي دعا فيه محمد عليّ المصريين إلى التظاهر يوم الجمعة 20 سبتمبر/أيلول 2019، علم «عربي بوست أن الوضع داخل الجيش شديد التوتر، وأن السبب الرئيسي في توتر الجميع هو حالة الاستنفار الصادرة من رئاسة الجمهورية، حيث تم تشكيل لجنة متابعة للموقف برئاسة نجل الرئيس شخصياً، وأن هذه اللجنة في حالة انعقاد دائم حتى فجر يوم السبت التالي.

نفوذ نجل السيسي تخطى المخابرات العامة ليصل إلى وزارة الدفاع أيضاً، إذ ترأس نجل الرئيس ليل الجمعة 20 سبتمبر/أيلول 2019 اجتماعاً حضره وزير الدفاع الفريق أول محمد زكي، وشارك فيه عدة قيادات بالجيش لبحث الوضع الأمني والسياسي على الأرض تزامناً مع خروج المظاهرات.

عرفنا صلاحيته، فما هي سماته الشخصية؟

ولأن محمود السيسي قليل الظهور في العلن، فإنه أصبح كرجل الظل بالنسبة للمصريين، والذي لا يعرف أحد عنه شيئاً، ولا حتى طريقة تفكيره.

أحد القيادات المدنية المحسوبة على التيار الديمقراطي والتي حضرت الاجتماعات التحضيرية خلال فترة إعداد قائمة «في حب مصر» التي سيطرت لاحقاً على البرلمان المصري، تحدث إلى «عربي بوست» عن تركيبة محمود السيسي الشخصية.

وقال الرجل الذي رفض بالطبع الكشف عن اسمه: «حضرت جلستين من تلك الجلسات، وكان محمود السيسي حاضراً، ومن دون أدني شك فإن التقارير الصحفية المنشورة عن دور محمود السيسي في تشكيل البرلمان حقيقية تماماً».

وكانت مواقع مختلفة نشرت تقارير عن أعضاء غرفة العمليات التي كانت تدير المشهد الانتخابي عام 2015، بهدف تشكيل قائمة موحدة تمثّل النظام السياسي في مصر. جاء ذلك بعد فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية التي كان مقرراً لها في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

وذكرت التقارير آنذاك أن «المشهد الانتخابي يدار من مقر المخابرات» عبر غرفة عمليات تضم 4 أشخاص بقيادة لواء المخابرات السابق، سامح سيف اليزل.

وبالعودة للقيادي السياسي، فقد ذكر بعض صفات نجل الرئيس الشخصية «من اللحظة الأولى يمكن بوضوح إدراك أن هذا الشاب هو المتحكم الحقيقي في مجريات الأمور، وأنه الرقم الأهم على المنضدة».

وأضاف: «تقييمي لهذا الشاب أنه شاب صاحب خلق ضيق، ولا يقبل الرأي الآخر بتاتاً، ويمكن وصفه بالغرور إلى حد بعيد».

لكنه أوضح أن هذا الشاب يملك في الوقت نفسه «حساً تنظيمياً جيداً، ولا أريد القول إنه شخصية تآمرية، لكن يمكنني القول إنه يجيد تحريك القطع والمناورة بها».

وذكر أن هذه الاجتماعات التي حضرها شهدت «درجة من درجات الترهيب لا تخطئها عين»، موضحاً أن محمود السيسي لعب دوراً بارزاً في ترسيخها، «الرجل يتحدث بالقبضة الأمنية لا بالعقل السياسي»، على حد تعبيره.

اتهامات غنيم ومسعد أبو فجر

ويوم 20 سبتمبر/أيلول، اتهم الناشط السياسي وائل غنيم نجلَ الرئيس المصري محمود السيسي، بالوقوف وراء «خطف» أخيه، على حد تعبيره.

غنيم، المقيم في الولايات المتحدة، قال إن أجهزة أمنية داهمت منزل أسرته في القاهرة وألقت القبض على أخيه حازم غنيم.

هذه الاتهامات الواضحة ذكر أكثر من مصدر لـ «عربي بوست»، أنها اتهامات سليمة، وأن محمود السيسي هو صاحب قرار القبض على حازم.

وأشارت المصادر إلى أن تقارير الأمن الوطني كانت قد حذرت من هذا القرار، لكن محمود السيسي «أصر شخصياً على ذلك».

وبالتزامن مع صدور فيديوهات محمد علي، ظهر الناشط السيناوي مسعد أبو فجر في مقطع فيديو يتهم فيه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونجله محمود ضابط المخابرات بـ «رعاية الإرهاب في شبه جزيرة سيناء للوصول إلى حكم مصر». وأوضح أن ذلك تم من خلال ضابط مخابرات كان يقوم بهندسة وتنفيذ عمليات الفوضى بعد ثورة 25 يناير.

واتهم أبو فجر، السيسي ونجله بإدارة شبكة تهريب البضائع والأموال عبر الأنفاق ومعبر رفح إلى قطاع غزة، مما يدر ربحاً شهرياً يُقدر بنحو 45 مليون دولار، يأخذ السيسي ونجله منها 15 مليوناً.

وأشار إلى أن السيسي أباد 14 قرية في سيناء بالقصف الجوي والصاروخي، لإجبار أهلها على الرحيل، رغم أنها ليست على الحدود.

وأوضحت مصادر داخل سيناء لـ «عربي بوست»، أن غالبية هذه الاتهامات صحيحة بالفعل، وأنهم يعرفون بمسؤولية قادة بالجيش المصري عن عمليات التهريب، وأن الجيش المصري يعرف الإرهابيين بالاسم والمكان، لكنه لا يأخذ فعلاً حاسماً ضدهم حتى يستخدم ورقة الإرهاب لصالح النظام.

ورغم ذلك أوضحت المصادر أنه لا علم لها بوجود رابط واضح بين هذه الفعال ونجل السيسي بشكل مباشر.