//Put this in the section

لهفة على الدولار في بيروت لكنها أكثر في دمشق وطهران!

أحمد عياش – النهار

البيان المقتضب الذي أصدره حاكم مصرف لبنان #رياض_سلامة وأكد فيه أنه “سيصدر تعميما الثلثاء المقبل، ينظم فيه تمويل استيراد القمح والدواء والبنزين بالدولار الاميركي” يمثل الخطوة الاولى في مسار طويل للاشراف على ملف الدولار الاميركي وسائر العملات الصعبة في لبنان. ولا بد من الوقوف على آخر المعطيات المتصلة بأزمة الحصول على الدولار في السوق اللبنانية، كي يفهم المرء الدافع الاساسي وراء هذا البيان. فما هي هذه المعطيات؟




اوساط مالية قالت لـ”النهار” إن ما جرى مع الدولار في الاسابيع الاخيرة ليس أمراً مفاجئاً، والسبب يعود الى طبيعة النظام الاقتصادي في هذا البلد الذي من ابرز مميزاته حرية صرف العملات ما يجعله قبلة أنظار أنظمة نقيضة له، وتحديداً في #سوريا وإيران. وما يبرر هذا التحديد، بحسب هذه الاوساط، ان النظامين السوري والايراني يمرّان حالياً بأصعب الظروف في تاريخهما. وربما كانت هذه الظروف شأناً خاصاً بهما لولا ان لبنان مرتبط حالياً بهما وبشدة بفعل نفوذ “حزب الله”. وبسبب الشح الكامل للدولار ولسائر العملات الصعبة في كل من سوريا وإيران، كان لا بد من السعي الى توفيرها من أي مكان متاح. ولذلك جاءت السوق اللبنانية على رأس اللائحة لسهولة الدخول اليها بفضل نفوذ الذراع الايرانية المتمثلة بالحزب. وبحسب تعبير الاوساط نفسها :”صار على عاتق بيروت تحمّل متطلبات #دمشق وطهران من العملات الصعبة”.

لا يزال الكثيرون يتذكرون مشهد طوابير السيارات التي تدفقت قبل شهور من سوريا الى لبنان، وتحديداً الى المناطق القريبة من الحدود المشتركة في الشرق والشمال، من أجل ملء خزاناتها بالوقود من المحطات اللبنانية بعدما أصبحت مناطق نظام بشّار الاسد عطشى لهذه المادة بفعل العقوبات الاميركية عليه وعلى حليفه الايراني. كما لاتزال حديثة العهد قصة الناقلة الايرانية العملاقة التي دارت طويلاً في بحار العالم لكي تصل وبمشقة هائلة الى الساحل السوري. ولذلك يرى المراقبون ان العطش في سوريا وإيران الى كل شيء تقريباً، يطلّ في لبنان حالياً تحت لافتة شحّ الدولار.

في بيان حاكم المصرف المركزي الذي أعلن إصدار “تعميم ينظم فيه تمويل استيراد القمح والدواء والبنزين بالدولار الاميركي”، ان ذلك سيتم بعد “مراجعة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير المال والوزراء المختصين”. فهل يعني ذلك ان القرار السياسي بشأن تمويل استيراد هذه السلع بالدولار قد اتُّخذ، وإلا لما كان سلامة أصدر هذا البيان؟

ترجّح اوساط نيابية لـ”النهار” ان يكون حاكم مصرف لبنان قد بادر الى هذه الخطوة لكيّ يخفف الاحتقان الكبير الذي اعترى البلاد بعد مشاورات معمّقة بعيدة عن الاضواء مع الرؤساء الثلاثة، علماً ان الاوساط الاعلامية القريبة من “حزب الله” أوحت انه في أجواء هذه الخطوة، لكنها وضعتها في خانة الضغوط التي مارستها واشنطن مباشرة خلال الزيارة التي قام بها أخيراً الى لبنان مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب مارشال بيلينغسلي. وما استرعى الانتباه في إيحاء هذه الاوساط قولها ان الاميركيين تحركوا لوقف تحويلات الدولار الى سوريا، لكنها لم تذكر اتجاه هذه التحويلات الى إيران أيضاً.

لا يجادل إثنان في ان المواجهة التي تخوضها الادارة الاميركية مع النظام الايراني تدور رحاها على المسرح الاقتصادي. ولم تكن قضية “جمّال ترست بنك” سوى أحد مشاهد هذه المواجهة التي تسببت بمحنة إقفال هذا المصرف الذي عمل منذ عقود في لبنان والعالم قبل ان يسقط ضحية لهذه المواجهة. ربما هناك من يرى ظلماً وقع على هذا المصرف الذي انتهى الآن الى التصفية بقرار ذاتي، ما ألحق ضرراً فادحاً بمصالح آلاف المودعين. لكن الاوساط المالية المتابعة لهذا الملف لا تتردد في القول إن المصرف ذهب اولاً ضحية استخدامه مباشرة من “حزب الله” رغم علمه ان هناك خطراً كامناً سيتهدد المصرف في أي لحظة بسبب العقوبات الاميركية التي تدركها جيداً مصارف لبنان التي أصدرت مجدداً عبر جمعيتها موقفاً ملتزماً بموجبات هذه العقوبات بعد لقاء جمعها مع بيلينغسلي، وهي كما قال الاخير “التزام المصارف اللبنانية بالقواعد والمعايير العالمية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.

رد فعل “حزب الله” على الحصار الاميركي الجديد له سواء عبر التضييق عليه داخلياً أو منعه من أداء فريضة تحويل لبنان ساحة لتلبية مستلزمات قيادته في إيران من العملات الصعبة، كان في اتجاه الداخل، كما درجت العادة. فقد اتهم نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم جهات لبنانية “لم يسمّها” بأن لها دوراً بملف العقوبات الأميركية على “حزب الله”. لكن هذه الشكوك في “نقاوة دم” مَن لا يسهّل عمل الحزب لمصلحة إيران لن تغيّر من اتجاه الرياح العاصفة التي بدأ لبنان يئن تحت وطأتها بسبب الهيمنة الايرانية المباشرة على هذه البلاد. وإذا ما تتبع المرء ما يقال في دمشق وطهران لعلِم ان وباء الاضطراب في السوق اللبنانية منشأه هناك.

في تقرير إعلامي صدر حديثاً، أفاد “ان النظام السوري يمارس ضغوطاً على رجال الأعمال السوريين لسحب ودائعهم من المصارف الخارجية ووضعها في المصارف الحكومية السورية، في محاولة لوقف انهيار الليرة السورية”. أما في صحيفة “كيهان” فنقرأ: “الغريب العجيب (في لبنان) ان ذلك كله يترافق مع تصعيد العقوبات الأميركية التي يطمئن المصرف المركزي إلى كونها محصورة بمن تريد الولايات المتحدة أن تعاقبهم لتؤدّبهم وهم متهمون بدعم المقاومة مالياً وعينياً أيضا”.

الضجة في بيروت، لكن مصدرها دمشق وطهران.