هل يطارد شبح قبرشمون الجبل مجدّداً؟

مجد بو مجاهد – النهار

يذكر المعجبون بشخص رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، كيف أنّه انهى الحلقة الأخيرة من قضية البساتين – قبرشمون، في جانبها السياسي، بمرور سيّارته وهو يقودها على أعين المارة الذين احتشدوا يرمون السلام، في البقعة نفسها التي حُكي كثيراً أنها “صنّارة” تهدّد مستقبل زعيم المختارة السياسي كما الأمني. ويبدو أن الإخراج الموفّق للواقعة، كان بمثابة نهاية جزء أوّل فقط، وأن عبارة “يتبع” مكتوبة اخراجياً، والى اللقاء في جزءٍ ثانٍ، يُطرح فيه سؤال جائز: هل عاد شبح قبرشمون ليطارد الجبل وجنبلاط مجدّداً؟ هذا السؤال استدعته عوامل مستجدّة، أبرزها الأجواء المتناقلة في البيئة التقدمية عن منحى القضية، وصولاً الى العصفور “التويتري” الجنبلاطي الذي نفش ريش الاستعداد للمواجهات في أكثر من مجال.




الانطباعات الدقيقة التي تنقلها “النهار” عن أوساط سياسية مواكبة للملف، تؤكّد أن لا رغبة في التسرع باستخلاص العبر النهائية، لكن ثمة إشارات غير مطمئنة تتلقّفها مصادر عدة في الحزب التقدمي و”اللقاء الديموقراطي” ما دفعها إلى توجيه رسائل وتغريدات ومقاطع من خطابات، تنبّه فيها إلى الوضع غير الطبيعي القائم بعدما تمّت “المصارحات والمصالحات”. وتتوزع تقديرات الأوساط بين أن “ثمة أفرقاء من ضمن الفريق الآخر، لم يرتاحوا للاتفاق الحاصل، وهم ما زالوا يحاولون التأثير على سير التحقيقات من جهة، وعلى مناخ العلاقة عموما”، مع التشديد على ضرورة “عدم جواز الخلط بين قضية قبرشمون ومسألة توقيف أحد المشايخ الذي كان مشكوكا بأمره في قضية منفصلة”.

التقصي عن حصاد “المصارحات”، يشير الى أنه ليس قمحاً. ويتردّد في الصالونات السياسية التقدّمية أن المياه لم تعد الى مجاريها مع “التيار الوطني الحرّ”، رغم الروتشة التجميلية، الا أن التقدّمي لن يغرم بالوزير جبران باسيل و”الواقعة التي وقعت فيها الجمهورية”، وفق الأوساط.

إذاً، تنبعث رائحة حريق البساتين مجدّداً في اليوميّات السياسية، وهل لا يزال شبح هذا الحريق يلاحق جنبلاط؟ في رأي الأوساط العليمة التي تقيس تعابيرها بميزان الصراحة، ان “التقدمي تجاوز واقعة قبرشمون، نسبة إلى المناخ الذي أراد البعض فرضه في الجبل بين الدروز والمكونات الأخرى، لكن يبقى الحذر واجبا في ظل عمل قوى إقليمية معروفة على الوتر ذاته. ويرتاح جنبلاط إلى وضعه، بعدما لقّن المصطادين في الماء العكر درسا في الصمود الشعبي وصمود المصالحة. ومن يريد أن يجربه مجدّداً، فليجرّبه”. ويطمئنّ التقدمي الى التعميم الذي أصدره مدعي عام التمييز غسان عويدات، نسبة إلى توحيد معايير عمل النيابات العامة ومساراتها، ومنها العسكرية، تحت إشرافه مباشرة.

يدلّ المتضلّعون من قراءة الكفّ العوني بأصابعهم على ما يسمّونه “مبتغى” باسيل في تقديم جنبلاط مفتاحاً ثانياً لبوابة الجبل اليه، بدل العيش في رغيد التقرّب الجماعي مع “القوات اللبنانية”. وها هو مصطلح “الشراكة في الجبل” يتصدّر قائمة العبارات المستخدَمة. وتسأل “النهار” عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب مروان حماده رأيه في الموضوع، فيجيب بـ”أننا مع كل شراكة وضد كل احتكار. فلا تبنى أي شراكة على حساب أي فريق آخر، وهذا ما كان طرحه جنبلاط عند تشكيل اللوائح في الشوف وعاليه، حيث سعى إلى جمع القوات والتيار والمستقبل في لوائح ائتلافية حرصا على المصالحة بالدرجة الأولى”.

وفي الانتقال من ملعب السياسة الى المنحى القضائي الذي تتخذه القضية، ما هي المؤشرات؟ يُطلع الوكيل قانوني في قضية البساتين المحامي نشأت الحسنية “النهار” على مسارات الأمور من وجهة نظره، قائلاً إنه “عندما يصبح الملف في القضاء يصير حساساً. وفي موضوع التوقيفات، للقاضي وجهة نظره، ويقارب الملف انطلاقاً من معطى معيّن، وليس بالضرورة من وجهة نظر سياسية. وتكمن المشكلة في تأسيس الملف على قاعدة تدخّل سياسي، عندما حرّك الحق العام بادعاء مفوض الحكومة. ويحصل اليوم أن الأشخاص الذين كانوا برفقة الوزير صالح الغريب مدَّعى عليهم بجنح إطلاق نار، فيما حُوّل مناصرو الحزب التقدمي على الجنايات. ويبدو أن قاضي التحقيق ينطلق من قاعدة أن مرافقي الغريب يؤدّون عملهم في تأمين الحماية له وسلاحهم مرخص. ويتظهّر معطى أساسي في التحقيق، هو أن اقفال الطريق لم يكن متعمّداً، بل إن المواطنين كانوا يصلون الى المكان ويركنون سياراتهم عشوائياً”.

ويرى أن “ثلاثة من الذين استجوبوا وهم اليوم موقوفون، كانوا يساهمون في اطفاء الحرائق. وما لبثت الفوضى أن سيطرت ما أدى الى اطلاق النار. ويمكن التعبير عن هذه المعطيات التي أذكرها في ظلّ محاكمة وجاهيّة”، مضيفاً: “مرافق الوزير لا يمكن أن يستبيح الناس، وردّة الفعل كانت أقوى بكثير ولا تتناسب مع الواقع المسيطر في المحلّة، وهذا ما لا يأخذه قاضي التحقيق في الاعتبار، لأنه ربما لا يعلم طبيعة الأرض”. وهل يعتبر أن الموقوفين هم من التقدمي؟ يجيب: “بالتأكيد، ومنهم من يتم توقيفهم نتيجة ابداء رأي في محادثة على واتساب عن ضرورة قطع الطريق، فيما أطلق البعض النار في الهواء لحماية الناس ردّاً على اطلاق نار الموكب”، مؤكّداً أن “أيّاً من مرافقي الغريب لم يتم توقيفه”.

ومن على ضفّة أخرى، يرى مصدر نيابي مطّلع في “التيار الوطني الحرّ” أن “موضوع قبرشمون حسم والمسار القضائي قيد المتابعة من المعنيين في القضاء وليس من السياسيين. ولا يجوز اغفال القضية التي تعتبر جريمة كبرى تحوّلت الى القضاء المختصّ، في ظلّ اعترافات خطيرة، وستظهر النتائج قريباً”. ولا يعلق “التيار” على التغريدات الجنبلاطية، بل على “الموقف السياسي الذي يؤخذ في معرض نقاش في مجلسي النواب أو الوزراء. فالتغريدات كلام سياسي يفترض أن تستند الى وقائع لا الى كلام خشبي عام، يطلقه الكثير من السياسيين الذين يغرّدون لامتصاص نقمة معينة”.