//Put this in the section

العقوبات تجاوزت الخطوط الحمر… ولا سياسات اقتصادية

رضوان عقيل – النهار

عندما انتخب الاميركيون الرئيس الراحل رونالد ريغان في العام 1981 وتم إيصاله الى سدة الرئاسة، سألوا انفسهم قبيل تسلمه مقاليد السلطة في البيت الأبيض: كيف يقدر رجل آت من عالم السينما والتمثيل على ادارة أكبر امبراطورية سياسية واقتصادية في العالم؟ وعند تلقي ريغان اصداء هذه التساؤلات طلب من الناخبين التروي وعدم استباق الاحكام والخوف على مستقبل ماليتهم والتأمينات الاجتماعية من طبابة وغيرها. وقد عيّن بعدها الخبير ميلتون فريدمان الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد في العام 1976، على رأس وزارة الاقتصاد التي تعنى بالاميركيين وبحياتهم اليومية في الدرجة الاولى وابلى البلاء الحسن. مرد هذا الكلام بحسب وزير سابق ومخضرم، الى انه يتم الاتيان عندنا على الاغلب في الحكومات اللبنانية المتعاقبة، بوجوه وزارية غير قادرة على ادارة ملفات وزاراتها كما يجب. وان كان من الظلم تعميم هذا الحكم على مختلف الوجوه الوزارية ومع اعتراف الجميع بأن وزارات يديرها اشخاص من غير المؤهلين ادارة ملفات تشغل المواطنين الذين يعولون على مؤتمر “سيدر”، وان كانت تجارب مؤتمرات سابقة بقيت حبراً ووعوداً ولم تأخذ طريقها الى التطبيق والشفافية التي يطالب بها الاوصياء على “سيدر” ولا سيما من الفرنسيين. واول امتحان سيقدمه لبنان سيكون في “مادة الكهرباء”.




وتتزامن كل هذا التحديات في ظل رفع واشنطن سيف العقوبات ضد “حزب الله” والمكون الطائفي الذي يمثله، فضلاً عن عدم بث رسائل مطمئنة حيال شخصيات وافرقاء ورجال أعمال ليس من الضرورة ان يكونوا على علاقة مباشرة مع الحزب، بل مع بيئته المنتشرة في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع والتي لا يمكن فصلها عن المناطق اللبنانية الاخرى.

يضاف الى ذلك ان ما يحدث من تلاعب في صرف أسعار الدولار في السوق، ما هو الا دليل على هذه الفوضى المستشرية التي تشبه مرحلة الثمانينات الى حد ما، في ظل عدم قدرة مصرف لبنان على تثبيت رسمي لهذا السعر في السوق، وسط حال من الضياع تمر بها اكثر المؤسسات في بلد لم يكن ينقصه الا فرض الادارة الاميركية عقوبات ضد جهات لبنانية لم يسلم منها نواب منتخبون من الشعب!

في غضون ذلك، لن تكون محطات زيارة مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة الارهاب وتبييض الاموال مارشال بيللنغسلي الا في اطار السياق الاميركي المتكرر، وهي تدخل في خضم هذا المناخ وحرب العقوبات الاقتصادية التي تخوضها ادارته من دون هوادة ولا تراجع. ولم يكن لقاء الرئيس نبيه برّي وبيلينغسلي “هادئاً” بعلامة مضمون بيان رئيس المجلس. وردّد أمام زواره “لن أزيد كلمة واحدة على البيان، وأنا لم أدافع أمام بيلينغسلي عن الشيعة بل عن كل لبنان”.

من جهته لا يزال “حزب الله” يدقق ويراقب مسلسل العقوبات في سياق نظرته الى منظومة يعمل الاميركيون بموجبها منذ اعوام عدة ضد الحزب واستهداف بيئته ومضايقتها، وصولاً الى عدم التقاط الانفاس والعمل على قاعدة ما لم تحققه اسرائيل عن طريق الحرب يجري العمل عليه وبوتيرة كبيرة من بوابة الاقتصاد. ويضع الحزب زيارة بيلينغسلي في اطار الاعتداء على السيادة الوطنية والمالية وهي لا تقل خطورة عن الاعتداءات الاسرائيلية في البر والبحر والجو. وان المطلوب بحسب رؤية الحزب، اتخاذ المسؤولين والحكومة موقفاً وطنياً موحداً لجبه هذا الهجوم ومنع الاستباحة المصرفية والمالية الذي تأتي على شكل اعتداء اقتصادي.

ويتعاطى الحزب مع هذه السياسة التي وصلت الى حدود الخطوط الحمر، وتخطي كل المعايير وفق ما يسمى بعدم القدرة على التحمل والصبر المعهودين عند قيادة الحزب وقواعده. وان الاستهداف الحاصل لم يعد يطال الحزب بل مؤسسات وشركات يملكها شيعة. وما حصل مع مصرف “جمّال ترست بنك” خير شاهد على ذلك. في النهاية لن يبقى الحزب ساكتاً، وتوجد لديه خيارات أخرى من دون الافصاح عنها. ويبدو أنه في موقع درس كل الخيارات وهو لا يزال يعوّل على مسؤولية الجهات الرسمية المعنية في جبه هذا الهجوم، ولا سيما ان ثمة مسائل لم تكشف عنها قيادة الحزب وهي ان جهات سياسية ومصرفية لم تتوقف بدورها عن التضييق على الحزب وتقديم معلومات وخدمات لجهات خارجية ضد قيادات في الحزب، اي بمعنى ان ثمة من يمارس سياسة التواطؤ مع العقوبات الحاصلة والترحيب بها حتى لو اصابت مكوّناً لبنانياً. وان الخضوع لسياسة الاملاءات لن تجدي نفعاً وستجلب للبنان الضرر واكثر من أزمة.

ويعوّل الحزب هنا على الغيارى في الدولة ليتحمل الجميع مسؤولياتهم وأخطار هذه المرحلة، ولا سيما على الرئيس نبيه بري الذي يقدم الاجوبة المناسبة في معرض رده على الاستفسارات من وفود اميركية وغربية ولا سيما أنه دأب في الآونة الاخيرة على التحذير من هذه السياسات والعقوبات المقبلة التي ستضرب في النهاية كل لبنان وليس فريقا معيناً، وان كان الشيعة أول المتضررين منها في الداخل والخارج.