نبيل بومنصف - النهار

قبل وقوع ”المحظور”! – نبيل بومنصف – النهار

ليس ثمة ما يشكل اكتشافا مذهلا في الحديث عن تكاثر ظواهر الفوضى او استعادة وجوه مشؤومة من تجارب الفتن كلما تعمقت ازمات مصيرية كتلك التي يجتازها لبنان في المرحلة الحالية. هذه الحقيقة ملاصقة للبنان كما لسواه من بلدان متخلفة لم تعرف شعوبها ونخبها طي تجارب الحروب فيها وإقامة دول ونظم تحميها من تجربة التجرب تكرارا. لذا لا يعود مستغربا ان يتوجس اللبنانيون كلما هبت ريح مشكلة او ازمة يشتم منها رائحة حساسيات طائفية لان النتيجة غالبا ما تكون معروفة بتداعياتها الكارثية.

الحاصل الآن في النزاع العقاري الصاعد مجددا بين قضائي بشري والضنية يتصل بهذه الطبيعة السيئة التي تسبغ على النزاع ولكن التداعيات التي يرتبها هذه المرة تتخذ وجها اكثر خطورة لان ثمة معالم فاضحة لتوظيف خبيث لهذا النزاع من شأنه ان ينزلق بالمنطقة المعروفة بدرجات عالية ومشهودة من التمازج الطائفي والاجتماعي الى ما لا تحمد عقباه وربما الى توسيع التداعيات في اتجاهات اوسع.




ولان الواقع الذي بلغته هذه المشكلة لم يعد يحتمل التلطي وراء قفازات المداراة على الحساسيات يتعين الإضاءة بقوة على ما بات يعرفه الجميع سواء اعترفوا به او أنكروه وهو ان ثمة استثمارات سياسية وطائفية خبيثة جدا تجري في باطن هذا النزاع كما في بعض جوانبه العلنية لن يكون ممكنا الدولة تجاهلها في كل الاجراءات المنتظرة منها كمرجع وحيد يفترض به فض النزاع ومنع اتجاهاته نحو التفجر. هذا التوظيف له عنوان واضح ليس مخفيا وهو دخول قوى محلية ترتبط ارتباطا “عملانيا” بما كان ولا يزال يسمى محور 8 آذار وتدين هذه القوى بالولاء الكامل لهذا المحور الذي يبدو واضحا انه يسعى الى الضرب على خاصرة رخوة في احدى نواحي الشمال لجهة توظيف النزاع في استهداف قوة اساسية من محور قوى 14 آذار السابق اي “القوات اللبنانية”.

كان يمكن التعامل مع هذا التوظيف السياسي والحزبي والمناطقي باعتباره تطورا تقليديا في بيئة سياسية مأزومة لو ظل الامر محصورا بنطاق التعبير السياسي والاعلامي وحتى القانوني والقضائي. لكن التعبئة نحو اثارة تطورات ذات طبيعة طائفية ومذهبية والتحريض المكشوف لاثارة نزاعات طائفية بين أهالي المنطقة والقضائين المتداخلين واللذين يعرفان بتاريخ لائق حضاري من تمازجهما يضع التبعة الاساسية في هذا التوظيف الخبيث على القوى المحلية المرتبطة بمحور معروف يريد الاقتصاص من خصم قوي ولو على ركام فتنة طائفية يرى فيها فرصة لإغراق الخصم في فتنة مع بيئة صديقة وحليفة له. يراد لهذا النزاع ان يتحول الى مسبب فتنة مارونية – سنية تنجح حيث فشلت محاولات كثيرة سابقا لفصل عرى سياسية وعابرة للطوائف كانت ولا تزال من عوامل القوة الكامنة في الحال السيادية اللبنانية التي تتعرض لهزات وزلازل داخلية متعاقبة بفعل الاختلال الكبير القائم في موازين القوى الداخلية. ولا نظن ان اي تلكؤ اضافي من الدولة والقضاء عن اجتثاث هذه المحاولة من جذورها بسرعة الا عاملا اضافيا سيدفعنا الى الشك المشروع في “بعض” هذه الدولة على الاقل ومن يخدم. فاحذروا المحظور قبل وقوعه!