//Put this in the section

ماذا تريدون بعد؟! – الياس الديري – النهار

لم يكن مستعداً لكلام سياسي.

سأل نفسه، ثم سألني ماذا تحقَّق لنحكي؟ ها هو الوضع برمته أمامنا. كل شيء الى أسوأ. الأفضل أن نحكي مع الشعب، مع الرأي العام نتصارح، مثلاً:




أيها اللبنانيون الأقحاح، ماذا تريدون أكثر مما تحقَّق لكم بأسرع من لمح البصر؟ على كل الصعد. في كل الحقول. على كل المستويات. من طقطق للسلام عليكم. وها هي ليرتكم المزنطرة قد أُعيدت اليها مكانتها، حتى لتكاد تدعس على قدم الدولار ليزيح من دربها. ثم عدّوا والحقوني: ماء، كهرباء، ازدهار، استقامة، أمان، استقرار، طمأنينة، حريَّة، عدالة، مساواة، لا ابن ست ولا ابن جارية… ودولة مثل ليرة الذهب، لا مأخذ عليها، لا من داخل ولا من خارج. تكاد روح الرئيس فؤاد شهاب تعلن الاعتزاز والابتهاج بإكمال ما بدأ، وأسّس، ورسَّخ، وزرع من مؤسَّسات لا تأخذ إلّا بالقانون ولا تُجيبُ إلّا وفق القانون.

اشكروا ربَّكم على هذه النعمة. لقد وفّوا بوعودهم وواجباتهم وقسطهم للعلى. وفّوا قسطهم تجاه لبنان أيضاً، وتجاه الدولة، وتجاه التاريخ والجغرافيا. أما قسطهم تجاه الوضع الاقتصادي، وتجاه البيئة، وتجاه نقاء المناخ والماء والهواء والفاكهة والنباتات، فحدِّث ولا حرج. بالكاد بلغ عدد المصابين بالمرض الخبيث الستمئة من أصل بضعة آلاف. كنموذج، لا أكثر، على ما أوردته أنباء الشاشات قبل أيام.

أما عن متطلِّبات العيش، فلا تسلوا. كل الناس وصلتهم حقوقهم في كل الحقول. وأولادهم يتمتَّعون بعنايات المدارس والجامعات كما لا يحصل في باريس ولندن وأمثالها. أجل، لقد وفّوا قسطهم في هذا الحقل. وفي حقل الأَنهر، التي يشتهي مَنْ يمر بها لو لم تكن الأنهر. فعلوا كل ما يتوجَّب، وكل ما من شأنه أن يجعل لبنان منافساً لمستحقّي المرتبة الأخيرة في كل التصنيفات والمقارنات.

ماذا نقول أيضاً، وماذا نذكر، وبماذا نتغنَّى ونترنَّم وننعم؟ لقد فعلوا الكثير، والله يستر من الأعظم على صعيد الليرة ومكانتها، تماماً كما كان حالها في سالف الأزمان: يحملها اللبناني في جيبه، يحملها وحدها، الى كل العواصم الأوروبيَّة وكل أرجاء الدنيا. فهي الدولار والفرنك والباوند وغيرها من عملات العالم. كيف لا وهي ليرة لبنان.

لقد وصلت الى “لا” أخيراً. وكعملة لبنانية مضطهدة حتى في دارها وديارها. يهرب الناس منها. أعطني دولاراً لا ليرة. الحقيقة أنهم وفّوا قسطهم للعلى. اطمأن اللبنانيون أخيراً الى أن التسيُّب أصبح عاماً، شمل كل العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً. وها هم يتناقرون حول ملكية القرنة السوداء التي تهتزُّ فوقها الطائرات.

وهذه نقطة في بحر. ما داموا وفّوا قسطهم للعلى بازالة قمم الجبال بمفعول ثلاثة آلاف ورشة تدمير في السلاسل الشرقية والغربيَّة على حدّ سواء. والمليارات تطلُّ أحياناً عبر النقاشات الحامية.

يذكر الأحياء، والذين لم يهاجروا بعد، مراحل حرب الخمسة عشر عاماً. لم يحصل شيء مما يحصل في هذه الأيام السوداء، وعند هذا المصير المجهول. وحيث لا يدري أحد الى أين يقودون لبنان المغلوب على أمره. الى طهران أم الى وهران؟

أيها اللبنانيون الذين لم تسافروا بعد، ماذا تريدون أعظم وأفظع مما تحقَّق وأُنجِز؟