الدكتور داود الصايغ

في العهد والعهود والتعهد – الدكتور داود الصايغ – النهار

كانت مشكلة الحكم في لبنان، منذ الإستقلال وحتى اليوم، إن بعض القادمين الجدد يعتقدون أن ما كان قبلهم هو صحراء، وأن ما سيكون بعدهم هو طوفان.

وتكبر المشكلة حين لا تحضر دروس الماضي عندهم، وحين لا يستلهمون التاريخ، إن لم يكن عند الآخرين – والتاريخ حافل – فعلى الأقل عندنا. فهم عصيّون على التعلم وعلى الإتعاظ. والنتيجة هي المناداة بالإصلاح وهذا ما يحدث بالتمام منذ اكثر من سبعين عاماً.




بتاريخ 9 تشرين الأول 1952، وقف الأمير خالد شهاب، اول رئيس وزراء في عهد الرئيس كميل شمعون (1952 – 1958)، وألقى بيانه الوزاري في مجلس النواب طالباً الثقة على أساسه والذي جاء فيه : “في مستهل هذا العهد الجديد الذي انبثق من قوةٍ شعبيةٍ رائعة تجلى فيها الوعي القومي بأصدق مظاهره، وتبلورت مطالب الإصلاح الشامل سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وأخلاقياً … يجتمع مجلسكم الكريم وتتقدم منه الحكومة طالبةً تأييدها على أساس برنامج تتوخى من ورائه تحقيق الإصلاح الذي كاد الشعب ان يمليه إملاءً”.

ويا لسخرية القدر وسخرية الحكم وسخرية المؤتمنين عليه. تصوروا أنه في ذلك البيان الوزاري الذي قدمه رئيس الحكومة عام 1952 إرتكز مضمونه على الإصلاح.

الإصلاح المنشود أي منذ سبعة وستين عاماً. لكن البيان ذاك تضمن بنداً لا بد أن يجعل قارئه يضحك أو يبكي لا فرق. تفضلوا واقرأوا معي: “إن في طليعة القضايا التي ستوليها الحكومة عنايتها هي تنفيذ المشاريع المائية والكهربائية والصحية في جميع المناطق اللبنانية وعلى الأخص ما يعود منها إلى مدينة طرابلس”.

“ما يعود منها إلى مدينة طرابلس”. وهذا يدفع البعض ربما إلى بعث رسالة إلى المير خالد حيث هو، ذلك الرجل الآدمي في التعبير اللبناني، الذي كان بعد رئاسة الوزارة، يقف على طريق الشام لينتظر التراموي، لأنه لم تكن لديه سيارة، نقول له :” يا مير المياه مقطوعة والكهرباء مقطوعة، وطرابلس ما زالت ترزح تحت مطالبها.

تغيرت الأيام ولا تزال طرابلس تطالب بالإنماء بعد تعدد قضاياها. كأن الزمن توقف في لبنان”. ولأن ما أنجزه فؤاد شهاب بعد ذلك (1958 – 1964) من إصلاحات لم يكمل بعده. وكأنه كان البارقة الوحيدة التي جادت بمائها في سماء لبنان. ولأن لبنان هذا، لبنان الحكم والعهود والتعهدات والمتعهدين، عاد وإرتبط بأصل مفهوم الحكم فيه. إنه شيءٌ آخر. كأن المهم فيه هو الوصول. ثم الحديث عن الإصلاح.

هل قدر للبنان، بسبب الممارسة، أن يسير إلى الوراء، وأهله هم من أذكى وأقدر شعوب العالم؟ هل قدر لهذا البلد الذي رفعه كبار العالم شرقاً وغرباً إلى مستوى القدوة والرسالة أن ينحدر بسبب التقصير والإنزلاق إلى التخلف والفساد وفقدان الثقة الداخلية والخارجية، كون القضية التي يحملها بعض الواصلين لا تتجاوز الجلوس على الكرسي. أما الرؤية، أما الإخلاص، أما التضحية واما التحسب للمستقبل فهي ليست في الغالب من هموم جميع الواصلين. فؤاد شهاب حمل هماً وأصلح قدر الإمكان وقال في بيان عزوفه عن الترشح ثانيةً في 5 آب 1970 مع إنتهاء ولاية الرئيس شارل حلو :”إن الإتصالات التي أجريتها والدراسات التي قمت بها عززت إقتناعي بأن البلاد ليست مهيأة بعد، ولا معدّة لتقبل تحولات لا يمكنني تصور إعتمادها إلا في إطار إحترام الشرعية والحريات الأساسية التي طالما تمسكت بها”. وإلياس سركيس حمل هماً وقتله الهمّ. ووحدهما في تاريخ لبنان رفضا أي حديث عن التجديد لولايتهما. وأما رفيق الحريري، صاحب الهم الأكبر بإعادة البناء، فإنه دفع الثمن الأكبر من حياته.

نسير إلى الوراء لماذا؟ لمذا تخفق كل الوعود وتتراجع؟ ليس في لبنان نقص في الكبار، ومجتمعه الغني زاخرٌ بهم وبإنجازاتهم. ولولاهم لما صمد الوطن. ولكن لماذا الإخفاق في تحمل المسؤوليات إلى حد تراكم التقصير عبر العقود، حد الجمود إلى درجة أن المشاكل تستمر هي نفسها. وبكلمة أليس في لبنان قادرون على تحقيق الإنجازات، وأين هم؟ هل الأبواب موصدة امامهم وليست مفتوحة الّا أمام من يحسنون الوصول؟ هل هؤلاء هم الأقوياء، وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الأقوياء، إن على صعيد الأشخاص أو على صعيد التكتلات؟ فماذا تعني القوة في لبنان؟

ترى ماذا كان ينقصنا حتى الآن، ولماذا ما زال الأمر صعباً، صعباً على المحاسبة. محاسبة الفاسدين والمقصرين ومستغلي النفوذ. ها هو الرئيس البرازيلي السابق لويس لولا داسيلفا ينفذ حكماً بالسجن لمدة ثماني سنوات بتهم الفساد بعد ما حكم البرازيل كرئيس ما بين 2003 و20011. وهو أدلى منذ أيام بأول حديث له داخل السجن إلى جريدة “لو موند” الفرنسية بتاريخ 13 أيلول الجاري. حصل ذلك في البرازيل في حملة ما سمي “غسل الأيدي”.

وها هو رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية ريشار فيران توجّه إليه تهمة إستغلال النفوذ، وبعد ما صدر الحكم على الوزير السابق باتريك بلكاني منذ ايام بدخول السجن لمدة أربع سنوات. وقد أعفته المحكمة فقط من تقييده وهو في طريقه من قاعة المحكمة إلى السجن. وكل ذلك بتهمة الفساد.

العالم يطالبنا بالإصلاح كشرطٍ لمساعدتنا. ولم ينسَ أحدٌ بعد ما قاله الموفد الفرنسي دوكين في بيروت عبر “لائحة الإتهام” للمسؤولين عن سنوات التقصير والهدر والفساد ودون أي محاسبة.

وها هو رئيس الوزراء سعد الحريري يقول إن ما سندفعه اليوم من تضحيات إصلاحية، هو أقل ثمناً بكثير من إدارة الأزمة إذا ما وقعت. وهو سبق له ان حذر: إن رفيق الحريري لم يكن وحده في ما أنجزه. كان هنالك من إلتقت أيديهم بيده. فهل هذا هو ما ينقص؟ بالطبع. إنها حسابات الوصول المقبلة، حسابات القوى والقوة والمحسوبين من موظفين وسفراء … وقضاة. المهم هم. أما لبنان فأمر آخر. المهم هم. وأما الإصلاح فأمر آخر. والمسؤولون هم الآخرون دائماً إنهم الآخرون.