السعودية تضخ جرعات تفاؤلية في الاقتصاد المترنح

حظي موقف المملكة العربية السعودية الذي أشار إليه وزير المال السعودي محمد الجدعان حول توجه المملكة لدعم الحكومة اللبنانية ماليًا، باهتمام لافت إن لناحية التوقيت أو مضمون هذا الدعم في الظروف الاستثنائية الراهنة التي يجتازها لبنان، ناهيك بما تعرضت له الرياض من عدوان على منشآتها النفطية في أرامكو. وعليه، ولّد هذا الدعم السعودي ارتياحًا على المستويين الرسمي والشعبي، وشكل حدثًا على الساحة الداخلية وإن لم تهضمه أو تستسغه القوى السياسية المؤيدة والحليفة لطهران. لكن وفق ما قالته مصادر ديبلوماسية سعودية في بيروت، لـ “النهار”، فإنّ هذا الدعم السعودي للبنان ليس بالجديد بل يصب في إطار سياسة المملكة تجاه كل اللبنانيين على حد سواء. وهي، أي الرياض، تتعامل مع الدولة والحكومة والمؤسسات الرسمية وليس مع أحزاب وتيارات سياسية. هذه الثوابت قديمة العهد، وتأتي من دون أي شروط سياسية أو إملاءات، وهذا ما يدركه المسؤولون اللبنانيون.

وتضيف المصادر مشيرةً إلى أنّ التواصل والتنسيق مع لبنان لم يتوقف في أي مرحلة، والمملكة لا تتوقف عند تلك الحملات التي تطاولها من هذا الفريق وذاك، إذ تدرك خصوصية لبنان وأوضاعه ومعاناته حيث كانت السبّاقة الى رفع الحظر عن رعاياها للسفر إلى لبنان وقد قدموا بأعداد كبيرة هذا الصيف، الأمر الذي فتح الطريق أمام دول خليجية وغيرها. كذلك إنّ زيارة وفد مجلس الشورى السعودي الأخيرة وغير المسبوقة، إنّما صبّت في خانة هذا الدعم والتأكيد على أنّها لن تتخلى عن لبنان تحت أي طائل، ناهيك بزيارات الموفدين السعوديين والمستشارين في الديوان الملكي الذين أكدوا أيضًا مواصلة المملكة دعمها للبنان في كل المجالات. علماً أنّ ثمة اتفاقات بين لبنان والسعودية ستوقَّع بين مسؤولي البلدين وهي كثيرة، وستسهم في تطوير ونهوض لبنان الذي تكن له المملكة كل التقدير والمحبة، إضافةً إلى لقاءات مجلس العمل اللبناني – السعودي المتبادلة ما بين بيروت والرياض وحيث قطعت أشواطاً متقدمة في سياق تفعيل العلاقة بين البلدين على كل المستويات والميادين. واكدت أنّ الموقف الأخير الذي أعلنه وزير المال السعودي، هو في هذا الإطار من خلال ما يربط السعودية بلبنان من علاقات تاريخية ووثيقة.




توازيًا، تشير أوساط نيابية بارزة وعلى دراية بالمسار السعودي تجاه لبنان لـ”النهار”، الى أنّ زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري المفاجئة إلى الرياض تتصل بالموقف السعودي الذي أعلنه الوزير الجدعان والذي أنعش الاقتصاد اللبناني، وأدى تاليا إلى ارتفاع كل المؤشرات الاقتصادية والمالية بعد مخاوف وقلق من انهيارات وشيكة وتزامناً مع مخاوف أخرى سبق وعبر عنها مستشار مؤتمر سيدر بيار دوكان والقلق من حجب أموال هذا المؤتمر. لذا إنّ زيارة رئيس الحكومة وفي هذا التوقيت إلى الرياض، تبقى علامة فارقة قبل توجهه إلى باريس أو أي دولة أخرى، كونها ممراً إيجابياً نظراً الى موقعها ضمن الدول المانحة، وكونها الدولة الأبرز التي وقفت إلى جانب لبنان منذ ما سُمي بحرب السنتين أي منتصف السبعينات وصولاً إلى اليوم من خلال تحصينها للاقتصاد الوطني إلى دورها في غالبية المشاريع الإنمائية والتربوية التي جرت في كل المناطق اللبنانية.

وفي سياق متصل، وبعد معرض الذاكرة الديبلوماسية السعودية – اللبنانية الذي أقيم في “بيت بيروت” في السوديكو لما يرمز إليه هذا المكان الذي كان شاهدًا على الحرب اللبنانية، وحيث أعاد إحياء الزمن الجميل بين لبنان والرياض عبر الصور التي ذكّرت الكثيرين بما كان يربط المملكة من صداقات مع زعامات وقيادات وشخصيات لبنانية مسيحية وإسلامية ومن كل شرائح المجتمع اللبناني، يأتي العيد الوطني السعودي في المتحف الوطني الذي يحمل رمزية وأهمية على هذه الذاكرة التي تسلط الضوء على تاريخ لبنان وحضارته. وقد أرادت المملكة أن يكون عيدها في هذا المكان، حيث عُلم أنّ أجواءً غير مسبوقة سيشهدها العيد على صعيد التقنيات والحضور والموقف، إذ ستكون هناك كلمة ذات أهمية للوزير المفوض السفير السعودي في لبنان وليد البخاري الذي أشرف على كل الترتيبات ويتابعها أول بأول إذ سيعرض في كلمته، وبحسب أوساط مقربة من السفارة في بيروت، العلاقة التاريخية بين لبنان والمملكة وسيعلن عن دعم المملكة للبنان عبر سلسلة مشاريع تتابَع بين البلدين، وصولاً إلى موقف وزير المالية السعودي الذي سيكون من صلب كلمته وحاضرًا في هذه المناسبة التي ستجمع التاريخ والمستقبل ما بين البلدين. من هذا المنطلق، ثمة أجواء ومؤشرات إيجابية على خط بيروت والرياض ستكر تباعًا وأهميتها أنّها قد تكون غير متوقَعة للبعض في سياق ما يجري إقليميًا من حروب، إلى ما تعرضت له المملكة أخيراً من عدوان على منشآتها النفطية، وبالتالي هذه المفاجأة من الوزير الجدعان وصولاً إلى لاءات السفير البخاري التي سيطلقها من المتحف الوطني ستكون بمثابة جرعات دعم في الجسم الاقتصادي اللبناني المترنح في وقت ثمة مؤشرات سياسية واضحة المعالم بأنّ دور المملكة في لبنان باقٍ على الرغم من كل التحولات والمتغيرات والحملات وسواها.

وجدي العريضي – النهار