إسرائيل تبحث عن مخارج من ورطتها الائتلافية وتصاعد الترجيحات بأن عهد نتنياهو ولّى

أعلن رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين، أنه سيشرع الأحد في مشاورات مع الكتل البرلمانية حول تسمية عضو الكنيست المكلف بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة وسط سيناريوهات مفتوحة تشمل الذهاب لانتخابات ثالثة في محاولة لحسم حالة التعادل الشديد التي تدخل الحلبة السياسية في ورطة ائتلافية غير سهلة نظرا لكثرة الأحزاب وتناقضاتها وتسلق قادتها لأشجار عالية قبيل الانتخابات.

وأسفرت نتائج الانتخابات الـ22 للكنيست عن فوز كتلة “أزرق- أبيض” بـ 33 مقعدا ومعه حزب العمل (6 مقاعد) و”ميترس”(5 مقاعد) والقائمة المشتركة (13 مقعدا) أي أنه يترأس معسكرا علمانيا يصل مع دعم النواب العرب إلى 57 مقعدا، فيما تراجع تمثيل الليكود من 35 في الانتخابات الماضية إلى 32 مقعدا فقط، ومع شركاؤه في اليمين والمتدينين حيث يبلغ معسكره 55 مقعدا، ويبقى حزب “إسرائيل بيتنا” في الوسط بينهما في دور “بيضة القبان” فتشكيل الحكومة يحتاج على الأقل لـ61 مقعدا.




وطبقا للنظام السياسي القائم في دولة الاحتلال، فإن 25 أيلول/ سبتمبر هو موعد تكليف إما نتنياهو أو غانتس بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وفي حال فشل المكلف الأول المنوط به تشكيل حكومة بالمهمة، حتى مهلة شهر تنتهي في الـ23 من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، سيتعين على ريفلين تمديد الفترة الممنوحة له بأسبوعين لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة. ورغم التلميحات الصادرة عن ريفلين سابقا بأن “تمديد هذه المهلة، لـ14 يوما آخر، لن يكون تلقائيا كما كان الحال في الانتخابات السابقة”، غير أن موافقته على التمديد قد تمنح المكلف مهلة إضافية تنتهي في السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. وخلال هذه المهلة، إذا فشل المكلف الأول بتشكيل الحكومة في المهمة، يكون قد استنفد فرصه.

خيارات ريفلين

في هذه الحالة، تمنح للرئيس الإسرائيلي المعروف بخصومته مع نتنياهو ثلاثة أيام أخرى للتشاور مع الكتل البرلمانية، وفي التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر، سيتم تكليف مرشح ثان بتشكيل الحكومة. ويمنح هذا النظام المعمول به المرشح الثاني، بموجب القانون الإسرائيلي، مهلة 28 يوما لتشكيل الحكومة، وإذا فشل في مهمته، سوف تمنح الكنيست مهلة 3 أسابيع لتسمية مرشح ثالث لتشكيل الحكومة، غير أن النظام البرلماني المرتكز على أحزاب صغيرة، لا يترك خيارا ثالثا أمام الرئيس الإسرائيلي، ليكلفه في هذه المهمة.

وعند استنفاد كل الحلول القانونية، تنتهي فرصة الكنيست بتسمية مرشح ثالث في 28 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وحينها سيتم حل الكنيست، والدعوة لانتخابات جديدة خلال 3 أشهر تنتهي في 31 آذار/ مارس 2020. وعلاوة على كثرة الأحزاب وتناقضات رؤاها ومصالحها، فمن المتوقع أن تضع جلسة الاستماع لنتنياهو، الرئيس الإسرائيلي أمام وضع قضائي غير مسبوق من حيث إمكانية تكليف من تقرر تقديم لائحة اتهام ضده بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة، كما أن المحكمة العليا ستضطر للبت بشأن صلاحية نتنياهو في التوجه نحو انتخابات جديدة.

وتشير تقديرات عدد من الحقوقيين المختصين بالقانون الدستوري إلى أن الوضع القضائي لنتنياهو، يمنعه من المبادرة إلى التوجه نحو معركة انتخابية ثالثة، في حال قرر المستشار القضائي للحكومة تقديم لائحة اتهام ضده بعد جلسة الاستماع، وذلك لأن قرار المحكمة العليا يقيد إمكانية إلقاء مهمة عامة على من تقدم لائحة اتهام ضده.

مسألة معقدة

ويدعي مقربون من نتنياهو أن “قانون أساس الحكومة” ينص على أن ولاية رئيس الحكومة تنتهي فقط بعد إدانته في قرار حكم نهائي، ولذلك لا يسري عليه ما يسري على الوزراء، حيث تتم إقالة أي وزير تقدم ضده لائحة اتهام.

وتوضح صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الحديث يدور عن مسألة قضائية معقدة، حيث إنه في حال قرر رئيس إسرائيل تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ذلك سيكون، بحسب القانون، بحكم منصبه كعضو كنيست وليس كرئيس للحكومة. وبالنظر لأنه لا يمكن تعيين شخص تقرر تقديم لائحة اتهام ضده تتصل بالنزاهة في منصب عام، إذ إن هناك أساسا قانونيا لاعتبارات رئيس الدولة أن تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة بوصفه عضو كنيست، ستكون مقيدة في حال تقرر تقديم لائحة اتهام ضده في مخالفات رشوة بعد جلسة الاستماع.

يذكر أن جلسة الاستماع لدى المستشار القضائي للحكومة، أفيخاي مندلبليت، قد حددت في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، بينما تشير التقديرات إلى أن القرار بشأن تقديم لائحة اتهام ضده سيكون في تشرين الثاني/ نوفمبر.

مناورة نتنياهو
وتشير تقديرات في الجهاز القضائي إلى أن المحكمة العليا ستطلب قريبا، مناقشة صلاحية رئيس الدولة بكل ما يتصل بتكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة الجديدة. في ظل ذلك وغيره ما زال المأزق السياسي، بتعادل المعسكرين المتنافسين على حاله. يشار إلى أن توجه نتنياهو، إلى رئيس كتلة “أزرق- أبيض” بيني غانتس، بتشكيل حكومة وحدة، قوبل برفض الأخير وشكوك واسعة حيال جدية ونوايا نتنياهو واعتبارها مناورة لتحميل غانتس مسؤولية الذهاب لانتخابات ثالثة لا يرغب بها الإسرائيليون.
وبدأت تتردد أنباء وسيناريوهات اليوم، تحدث أحدها عن إمكان موافقة  الحريديم” على الجلوس في حكومة واحدة مع “أزرق – أبيض”، بعدما رفضوا ذلك في السابق؛ بسبب مواقف ودعوات المرشح الثاني في هذه الكتلة، يائير لبيد للفصل بين الدين والدولة ولتجنيد المتدينين المتزمتين في الجيش. وبينما يفسر الحريديم خطوة كهذه بأنها ستسمح لنتنياهو بضم “أزرق -أبيض” لحكومة برئاسته، إلا أن قرارا كهذا يمكن أن يسمح للحريديم بالانضمام إلى حكومة برئاسة غانتس أيضا، بحال استمر الأخير برفض دعوة نتنياهو وأصر على أن يكون هو رئيس الحكومة.

ساعة نتنياهو الرملية

ويعتبر هذا السيناريو مستبعدا؛ لأن من أهم رسائل “أزرق- أبيض” لجمهور الناخبين كانت “علمانية الحكومة” أو “حكومة ليبرالية”، أي بدون الحريدييم، وهي أهم أسباب فوزها كأكبر كتلة، ولن تستطيع التراجع عن هذه الرسالة، في ظل احتمال التوجه إلى انتخابات ثالثة. كذلك يطوقها ليبرمان بالرسائل “العلمانية” ويرفض الجلوس مع الحريديم، الذين ارتفعت قوتهم في هذه الانتخابات.

ويرى محللون أن حل هذا المأزق يكمن في المسار القضائي وتوجيه لوائح اتهام بشبهات الفساد ضد نتنياهو وخروجه من الحلبة السياسية بعد جلسة الاستجواب لدى المستشار القضائي للحكومة.

ويرى محلل الشؤون الحزبية في صحيفة “هآرتس”، يوسي فيرطر، أن “ساعة نتنياهو تدق ” مع اقتراب جلسة الاستجواب في مكتب المستشار القضائي للحكومة، والتي بعدها ستكون بانتظاره، بالتأكيد، لوائح اتهام”. وأوضح فيرطر أن نتنياهو “يستل الآن الأرنب الأخير والوحيد الذي تبقى في جعبته، وهي لعبة الاتهامات القديمة والجيدة، من أجل الوصول، ربما، إلى جولة انتخابات ثالثة مدعومة بتأييد شعبي ما”. معتبرا أن هذا وهم مطلق ويقول إن نتنياهو رئيس حكومة مشتبه بمخالفات جنائية ويرفض إخلاء كرسيه والتفرغ لشؤونه، كما أنه ليس مرشحا شرعيا.

سكرات الموت

ووصف فيرطر أقوال نتنياهو بعد رفض غانتس لدعوته بأنه فوجئ وخاب أمله، بـ”سكرات الموت” وهو يحاول خلق مشهد كاذب بأنه يسيطر على الوضع، لكن خدعته مكشوفة”. وأضاف أنه لا يوجد مخرج لهذا المأزق غير المسبوق “ربما فقط صفقة ادعاء لنتنياهو، تسمح له باعتزال محترم، قياسا بوضعه، من دون عقوبة السجن، يمكن أن تشق طريق للنجاة. وخيار آخر هو تغيير نتنياهو في رئاسة الليكود وهذه عملية صعبة ومعقدة ومليئة بالعقبات وثمة شك إذا كان المدى الزمني يسمح بذلك”.

من جهتها اعتبرت محللة الشؤون الحزبية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سيما كدمون، أن “استيعاب أن المؤسسة السياسية موجودة مقابل طريق مسدود، بدأ يتغلغل”. وقالت” “الآن، خيار حكومة الوحدة الذي بدا طبيعيا ليلة الانتخابات، آخذ بالابتعاد في أعقاب الحلف الذي أبرمه نتنياهو مع شركائه اليمينيين والحريديم”.

وعلى غرار فيرطر تنظر كدمون هي الأخرى إلى المستشار القضائي ضد نتنياهو وتعتبره باباً من شأنه تغيير مسار الأمور. وتتابع: “بعد أسبوعين ستجري جلسة الاستجواب ضد نتنياهو. وقد أوضحت له نتائج الانتخابات أنه ليس قادرا على كل شيء، وأن ليس بحوزته تفويضا عاما لإخضاع سلطة القانون لمصلحته. ووفقا لتقارير، فإن السلطة القضائية لا تعتزم مساعدته في صفقة ادعاء تمكنه من التهرب من المحاكمة. بل على العكس. مندلبليت عازم على تسريع القرار، وثمة شك إذا سيكون في الاستجواب شيئ دراماتيكي سيغير الاتجاه، ألا وهو لوائح اتهام بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة”.

يشنق نفسه

بالمقابل يؤكد المحلل السياسي في صحيفة “معاريف”، بن كسبيت بصورة قاطعة أن عهد نتنياهو قد انتهى وأنه قد قضى على نفسه بيديه. وعن ذلك يقول: “كان لديه كل شيء، وسيكتشف قريبا أن لا شيء لديه. الفائز تحول إلى خاسر. وناشطو الليكود أداروا ظهرهم له. فقد بقيت أعداد كبير منهم في البيت أو ذهبوا إلى شاطئ البحر، وقال الجمهور كفى حتى هنا “.

ويشدد بن كسبيت على أن “بنيامين نتنياهو أنهى دوره التاريخي”، معتبرا ذلك حقيقة، معللا بالقول إنه لن يتمكن من تشكيل حكومة ولن يتمكن من الفوز في معركة انتخابية أخرى، في آذار/مارس 2020.

ويوضح كسبيت أنه لا توجد أغلبية داخل الليكود تؤيد حل الكنيست مرة أخرى. ويضيف: “لكن إذا نجح في حل الكنيست، فإن الدولة التي تجمدت لسنة ونصف السنة ستفرغ غضبها عليه. وهو سيفكك الليكود إلى أشلاء، تماما مثل فعل في عام 2006. وسيدرك الليكود ذلك قريبا. الآن هم يسكتون، ويمنحونه حبلا”.

ويخلص بن كسبيت لاستذكار مقولة لرئيس حكومة الاحتلال السابق أريئيل شارون حول نتنياهو: “دأب أريئيل شارون على قول الجملة التالية عن نتنياهو: أعطوه حبلا، وسوف يشنق نفسه “.

وبعد أن نضج مع مرور السنين، عاد نتنياهو إلى حالته السابقة. ويرتكب جميع الأخطاء الممكنة ويسقط في جميع الحفر الفارغة. وهو لا يدرك أن لافتة “الخروج” التي مرت أمام نظره للتو، كانت الأخيرة.

من جهته أكد المحلل السياسي البارز في ” يديعوت أحرونوت ” نحوم برنيع، أن الفلسطينيين في إسرائيل هم من أسقطوا نتنياهو بعدما حرض عليهم وشد الحبل زيادة عن اللزوم، مما دفعهم لحشد ذاتهم للصناديق والمشاركة في قطع مسيرته السياسية.