تصفية الامبراطورية الإعلامية تتحدى بقاء المستقبل كمشروع سياسي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، الأربعاء، عن تعليق العمل في تلفزيون “المستقبل” التابع له بعد 26 عاما من تأسيسه، معللا قراره بأسباب مادية، وذلك بعد أشهر قليلة من إنهاء عمل صحيفة “المستقبل”، ما يهدد بقاء تيار المستقبل كمشروع سياسي في لبنان في وقت تقوى فيه الامبراطورية الإعلامية لحزب الله.

وقال الحريري في بيان صدر عن مكتبه الإعلامي “يعزّ عليَّ أن أعلن اليوم قرارا بتعليق العمل في تلفزيون المستقبل وتصفية حقوق العاملين والعاملات، للأسباب المادية ذاتها التي أدت إلى إقفال جريدة المستقبل”، التي تملكها عائلته مطلع العام الحالي.




وأضاف “القرار ليس سهلا عليّ وعلى جمهور تيار المستقبل”، التيار السياسي الذي يتزعمه، و”لا على جيل المؤسسين والعاملين والعاملات والملايين من المشاهدين اللبنانيين والعرب ممن واكبوا المحطة لأكثر من ربع قرن”.

ويسلّط هذا القرار مجددا الضوء على تفاقم الأزمة المالية التي يعاني منها الحريري منذ سنوات والتي برزت مع إغلاق شركة “سعودي-أوجيه” للبناء والتعهدات في السعودية التي ورثها مع العائلة عن والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وشكّلت الركيزة الأساسية في بناء ثروته.

واعتبر مراقبون أن الحريرية السياسية دخلت في مرحلة ما بعد البحبوحة المالية التي انطلق على أساسها مشروع رفيق الحريري منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

ولفت المراقبون إلى أن الشحّ المالي تفاقم في السنوات الأخيرة على نحو بات يؤثر على قاعدته السياسية وبيئته المباشرة، وأن إغلاق بعض المؤسسات لاسيما الإعلامية منها التابعة لتيار المستقبل، يكشف عن توقف الدعم المالي الخارجي الذي كان يرد من السعودية في العقود الأخيرة، وأن تبدلا طرأ على طبيعة العلاقة بين الرياض ورئيس الحكومة اللبنانية.

وقالت بعض المصادر إن الحريري يدفع ثمن سوء إدارة مالية داخل مؤسساته وكذلك ثمن مواقف سياسية اتخذها في السنوات الأخيرة لم تكن تتسق بشكل كامل مع التوجهات السعودية.

وأسس رفيق الحريري القناة في العام 1993 بالتزامن مع بناء نفوذه السياسي آنذاك. وكانت المحطة تبث برامج ترفيهية وثقافية وسياسية، ولمع من خلالها نجم العديد من الإعلاميين.

وجاء قرار تعليق العمل في القناة بعد تنفيذ موظفي التلفزيون إضرابا منذ نهاية يوليو احتجاجا على عدم دفع رواتبهم. وتوقف منذ ذلك الحين عرض نشرات الأخبار والبرامج بأنواعها، وتمت الاستعاضة عنها ببث برامج وحلقات قديمة مسجلة.

وتراكمت لدى القناة مستحقات مالية للموظفين الذين يعانون منذ سنوات من تأخير واجتزاء في قبض رواتبهم.

وفي نهاية يناير، أصدرت صحيفة “المستقبل” عددها الورقي الأخير بعد عشرين عاما من بدء صدورها، وتحولت إلى موقع إلكتروني.

وتعهّد الحريري “بمتابعة الحقوق العائدة” للعاملين في التلفزيون والصحيفة على حد سواء.

وأوضح أنّ “المحطة لا تتخذ قرارا بوقف العمل.. بل تعلن نهاية مرحلة من مسيرتها لتتمكن من معالجة الأعباء المادية المتراكمة، وتستعد لمرحلة جديدة تتطلع فيها إلى العودة في غضون الأشهر المقبلة (…) بحلة إعلامية وإخبارية تتلاءم مع الإمكانات المتاحة”.

ولم يوضح البيان ما ستكون عليه المرحلة الجديدة، في حين أفادت تقارير إعلامية محلية في وقت سابق عن توجه رجل أعمال عربي مقرب من الحريري لشراء حصة في التلفزيون وإعادة إطلاقه.

وتحدث المدير العام للقناة رمزي جبيلي لوكالة الصحافة الفرنسية عن “إعادة هيكلة” للتلفزيون وعن “مرحلة مؤقتة سيُصار فيها إلى جدولة المدفوعات المترتبة” على القناة تمهيدا لإعادة إطلاقها.

ويشهد قطاع الصحافة في لبنان أزمة متمادية ترتبط بشكل أساسي بتوقف التمويل السياسي الداخلي والعربي لوسائل الإعلام، عدا عن ازدهار الصحافة الرقمية وتراجع عائدات الإعلانات.

واستغنت مؤسسّات عدة عن عاملين فيها. كما توقفت صحف عريقة عن الصدور، أبرزها صحيفة “السفير” نهاية العام 2016 جراء مصاعب مالية بعد 42 عاما من تأسيسها.

العرب