أية مكاسب حقّقها ”حزب الله” من خلال إدارته الخفية لملف العميل الفاخوري؟

ابراهيم بيرم – النهار

يكتسب الكلام الذي أدلى به نائب “التيار الوطني الحر” عن جزين زياد أسود، والقائل بان لا شائبة قضائية تشوب ملف العميل عامر الفاخوري، وان لا مستمسكات قضائية تجيز محاكمته، نسبة من الصحة والمعقولية مبدئياً، وإن كان الرجل (أسود) بالأساس أراد ان يصفّي حساباً مضمراً بمفعول رجعي مع الجمهور الشيعي يعود الى زمن الانتخابات النيابية الاخيرة.




وعليه، يصحّ الكلام الذي سرى أخيراً في بعض الاوساط، وخصوصا لدى “التيار البرتقالي”، عن ان محاكمة هذا الرجل الوافد للتو الى لبنان مستغلاً جنسيته الاميركية التي اكتسبها حديثاً جسر عبور الى وطن خرج منه قسراً وعنوة قبل نحو عقدين من الزمن، هي محاكمة سياسية بامتياز.

انه استنتاج يصعب على الدوائر والاوساط ذات الصلة بـ”حزب الله ” ومَن والاه في الداخل، نكرانه او التعمية عليه او التقليل من شأنه.

لكن ذلك، على اهميته، لا ينفي اطلاق مقولة ترسخت خلال الايام القليلة الماضية من ان الحزب قد نجح في اقتناص “صيد سياسي ثمين” تهيّأ له وأحسن توظيفه كرسالة قوية مفعمة بالدلالات أحرج فيها معارضيه في الداخل واعداءه وخصومه في الخارج على السواء.

بالطبع، ووفق الدوائر والاوساط عينها، لم يكن هذا الحزب منذ كشفه الخيوط الاولى لدخول العميل الفاخوري الى ردهة مطار بيروت، الى ان ضخَّم القضية وصيَّرها قضية مبدئية وقضية رأي عام بامتياز، يريد أو يخطط لأن تنفجر هذه القضية في وجه الطرف الآخر لـ”تفاهم كنيسة مار مخايل”، اي “التيار الوطني الحر”، بل ارادها قضية أبعد مدى وصدى، لكن المصادفات والحسابات الضيقة ورغبة “التيار البرتقالي” المتأصلة في الظهور بمظهر الولي والوصي على مصائر كل المسيحيين، انتجت شعوراً بدا معه هذا التيار وكأنه هو المعني الاول، وان يبذل بعض رموزه جهداً استثنائياً لاطلاق خطاب دفاعي يزاوج ما بين امرين شاقّين:

– تبييض سجل هذا الرجل بشكل او بآخر (منطق كلام اسود) والظهور بمظهر الحريص على مصائر الفارين من الجنوب في أيار عام 2000.

– ترديد مقولة ان كلمة القضاء المعني بقضية هذا الرجل هي الفيصل، ويتعين بالتالي على الجميع انتظار لحظة النطق بها ليبنى على اساس الشيء المقتضى.

وفي كل الاحوال، فان لـ”حزب الله” فلسفته ورؤيته للموضوع المعروف بموضوع العملاء، اي الموضوع السجالي والخلافي بامتياز بين اللبنانيين. فهو لا يمكنه ان ينكر انه في متن وثيقة “تفاهم مار مخايل” الموضوعة قبل نحو 13 عاما وردت بنود تتصل باعادة النظر بقضية اللبنانيين الفارين الى الكيان العبري. لكن قادة الحزب الذين اعطوا موافقتهم على هذا البند ذي الطبيعة الحساسة، لم يكن في ذهنهم شخصيات بـ”المكانة الجرمية” العالية التي اكتسبها العميل الفاخوري خلال اشرافه على معتقل الخيام وممارسته التعذيب والاذية بحق افواج المعتقلين الذين تعاقبوا على الحلول في هذا السجن المخيف.

فالمعلوم ان الحزب كان منذ بروز قضية العملاء الفارين الى اسرائيل او الذين سلّموا انفسهم الى السلطات اللبنانية، قد أدرج هؤلاء في حساباته الداخلية في 3 اصناف وميّز بينهم:

الصنف الاول: اولئك الذين تعاملوا بفعل الامر الواقع الناجم عن الاحتلال (خصوصا الذين عملوا داخل اسرائيل او تطبّبوا او…) .

الصنف الثاني: العناصر التي تجندت قسراً او طوعاً في “جيش لبنان الحنوبي”.

وقد تُرك امر البت بمصير هذين الصنفين الى السلطات الامنية والقضائية التي اتَّبعت كما هو معلوم سياسة الأحكام المخففة قدر الامكان بحقهم. وقد تجاوز الحزب الاعتراضات التي عبَّر عنها جمهوره من خلال رد فحواه: “نريد ان نقدم نموذجاً حضارياً في التسامح مع المخطئين، وان نترك لهم فرصة للتوبة، ولو أتى الامر على حساب جراحنا ومعاناتنا”.

بقي الصنف الثالث، وقد بلغ عديد المنضوين فيه وفق لوائح اسمية يحتفط بها الحزب نحو 500 عنصر، وهم الذين ارتكبوا عن سابق تصور وتصميم جرائم متكررة واندفعوا بعيداً في خدمة الاحتلال واداء دور “اكياس الرمل” دفاعاً عنه ابان وجوده، ثم استكملوا رحلة العمالة اياها بعد انسحاب جيش الاحتلال اذ رافقوه الى الداخل وتخلّى بعضهم عن جنسيته اللبنانية طوعاً ليحصلوا على الجنسية الاسرائيلية، لا بل ان بعضهم تخلّى عن ديانته (المسيحية والاسلامية) ليعتنق الديانة اليهودية ويخدم في جيش الاحتلال كمواطن اسرائيلي.

وثمة نوع آخر ظل على استعداده وغبّ الطلب لاداء مهمات امنية وعسكرية متى صدرت اوامر التكليف بذلك، اي انهم بقوا “جيش احتياط دائم للاحتلال الاسرائيلي”.

ولا ريب ان الدوائر المعنية بأمر هؤلاء في الحزب كلّفت جهازاً متخصصاً لرصد حركة هؤلاء لاعتبار اساسي هو انهم خبراء في الاجرام والتفجير والاغتيال ومستعدون لتنفيذ الاجندات الاسرائيلية الى اقصى الحدود، اي انه ليس لديهم ادنى استعداد لاعادة النظر بخياراتهم. ويبدو جلياً ان الحزب قد ادرج عامر الفاخوري في عِداد هذه الشريحة وبالتالي وضعه تحت الرصد والمتابعة الدقيقين.

وبصرف النظر عن المآلات القصوى التي يمكن ان تبلغها قضية هذا الرجل واحتمالات نهايات قضيته سواء كانت السجن او إبعاده الى حيث أتى، فان الاكيد ان الحزب يتصرف من منطلق انه نجح في تحقيق جملة مكاسب من خلال هذه الضربة النوعية ومن خلال ادارته لملف ما بعد القبض عليه. وأبرز هذه المكاسب:

– انه نظّم رداً اولياً على حملة الضغوط والعقوبات المتنوعة عليه وعلى قاعدته الجماهيرية.

– اثبت الحزب بما لا يدع مجالاً للشك انه ما برح ساهراً ويقظاً ومتحسباً لكل الاحتمالات ولكل الاختراقات.

– اسقط الحزب فرضية ان لأمنه الوقائي حدوداً لا يستطيع تجاوزها وان كانت يده هي العليا في الامن والسياسة، ولكن يبقى الامر نظرياً.

– انه وجّه رسالة غير مباشرة الى خصومه فحواها ان عليهم من الآن فصاعداً ان يحسبوا ألف حساب قبل ان يشرعوا بأي امر مضاد له في الداخل.