//Put this in the section

العدالة الدولية تطارد ”حزب الله” مجدداً وتكشف هشاشة العدالة اللبنانية

أحمد عياش – النهار

لا تزال ذاكرة الذين رافقوا رحلة العدالة الدولية منذ اواخر عام 2005 حيّة بما فيه الكفاية ليعلموا مدى القلق الذي اجتاح “حزب الله” عندما قرر مجلس الوزراء في ذلك التاريخ ان يسلك درب هذه العدالة. وقتذاك، إنسحب وزراء الحزب وحلفائه من جلسة الحكومة التي انعقدت بعد استشهاد جبران تويني، فقررت بأكثرية أعضائها المضيّ نحو الامم المتحدة بحثاً عن مسار عدالة لا يطاولها نفوذ هذا التنظيم المسلح.




في استطلاع أجرته “النهار” مع شخصيات سياسية وقانونية واكبت مرحلة انطلاق التأسيس لقيام المحكمة الخاصة بلبنان قبل 10 أعوام، ان “حزب الله” بدا خائفاً من خروج قضية الاغتيالات او محاولة الاغتيال الى القضاء الدولي، والتي بدأت في الاول من تشرين الاول عام 2004 بمحاولة اغتيال النائب مروان حماده، ففتحت جولة عنف عاتية كانت ذروتها اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. ومردّ خوف الحزب، كما تقول احدى هذه الشخصيات، الى خشيته من ان يشمل التحقيق مرحلة القتل التي انغمس فيها التنظيم منذ تأسيسه على يد الحرس الثوري الايراني في مستهل الثمانينات من القرن الماضي. ولم تقتصر لائحة ضحايا مرحلة القتل على افراد وجماعات داخلية، وإنما طاولت جهات خارجية في طليعتها الولايات المتحدة الاميركية التي منيت بضربتين غير مسبوقتين في الشرق الاوسط على الاقل إستهدفتا تدمير مقر السفارة ومركز “المارينز”.

في حسابات “حزب الله” التي يمكن مراجعتها عبر الوثائق العائدة الى عام 2005، ان الاخير كان لا يريد ان ترتبط قضية اغتيال الحريري بأية قضية أخرى. لكن الرياح هبّت عكس ما تشتهيه سفن الحزب، فانتهت وفقاً للمادة 1 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة، الى تمتّع المحكمة باختصاص على الأشخاص المسؤولين عن اعتداءات وقعت في لبنان بين 1 تشرين الأول 2004 و12 كانون الأول 2005، إذا ما استنتجت المحكمة أن تلك الاعتداءات مرتبطة باعتداء 14 شباط 2005 الذي أودى بحياة الحريري وكثيرين آخرين.

في 16 أيلول الجاري، أصدرت المحكمة القرار الاتهامي في قضية محاولة اغتيال مروان حماده والياس المرّ واغتيال الشهيد جورج حاوي. واتّهم قرار المحكمة سليم جميل عياش الملاحَق في جريمة اغتيال الحريري أيضا. فما هي أبعاد هذا القرار في مسار العدالة الدولية حيال لبنان؟

مرجع قانوني تحدثت اليه “النهار” ، رأى في القرار بُعداً تطبيقياً للمحكمة سيؤدي الى فتح مرحلة جديدة من العمل الذي ظن البعض انه سينتهي قريباً مع صدور الحكم النهائي في قضية الحريري والمتوقع في بداية الشهر المقبل. واعتبر ان القرار الجديد يُدرِج “حزب الله” في قضية موجة الاغتيالات أو محاولات الاغتيال التي لن تتابعها المحكمة بكاملها. ما يعني ان منفّذي هذه الاعمال ينتمون الى محور داخلي وخارجي وستظهر الوقائع لاحقاً حجم الارتباط بين التنفيذ وبين التحضير والتوجيه والحضّ على ارتكاب هذه الاعتداءات.

وفي مجال التعليقات التي ظهرت بعد القرار الاتهامي، تساءل المرجع عن مصير ملفات الجرائم التي أودت بشخصيات بارزة سياسية وامنية ومدنية. وقال: “هل يمكن ان نصدّق ان لا قصاصة ورق حتى الآن في هذه الملفات؟”. وذكر على سبيل المثال لا الحصر ملفات اغتيال الشهداء بيار الجميل ووليد عيدو ونجله خالد وانطوان غانم ووسام عيد ووسام الحسن. وتساءل المرجع أيضاً عن ملف اغتيال اللواء الحسن، أين أصبح وما هو مصيره، مذكّراً بما قيل سابقا “إن الملف مكتمل”، فسأل مجدداً :”لماذا لم يعلن هذا الملف تحديداً؟”.

يجري مراراً التداول بعبارة “عدالة السماء”، في إشارة الى ان هناك افراداً وانظمة على صلة بقضايا جنائية يصل اليهم الموت قبل ان يصلوا الى المحكمة. وفي موضوعنا اليوم، كان الاسم البارز في القرار الاتهامي سيكون مصطفى بدرالدين القيادي في “حزب الله”، الذي قُتل في سوريا عام 2016. فانتقلت المسؤولية الى الشخص الثاني الذي يليه رتبة، أي سليم عياش. ولكن هل تكفي “عدالة السماء” للوصول الى حقوق الضحايا؟

يقول المتابعون لملف المحكمة الخاصة إنها سائرة قدماً في عملها بمكان هادئ في هولندا بعيداً من ضوضاء لبنان والمنطقة. وعلى رغم الانتقادات التي توجّه اليها سواء لبطء عملها او لجهة كلفتها المادية، يرى هؤلاء انها انجزت ملفاً مهماً في تاريخ الاغتيالات في لبنان، أي ملف الحريري. وهي تتجه الآن الى ملف جرائم متصلة بجريمة 14 شباط 2005. إنها تمثّل “نقطة ضوء في نفق مظلم عنوانه الافلات من العقاب”، وفق تعبير هؤلاء المتابعين. إنها العدالة الدولية التي تواصل مطاردة “حزب الله”، وتكشف هشاشة العدالة اللبنانية!