//Put this in the section

قرار المحكمة لا يخرق واقع لبنان!

روزانا بومنصف – النهار

بالنسبة الى اللبنانيين الذين انتظروا قرارات المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي الجرائم التي وقعت في لبنان منذ 2004، قد لا تكون هذه القرارات تحمل اي مفاجأة تذكر باستثناء انها سمّت اشخاصاً ينتمون الى “حزب الله” تحديداً بعيداً من ارساء صلة مع النظام السوري، في الوقت الذي توافرت لهذا الاخير عوامل حماية متواصلة عبر روسيا في الدرجة الاولى ودول اخرى قبل ان يتم التخلص من متورطين سوريين مباشرين على خط اغتيال الرئيس الحريري. القرار الاخير الذي صدر عن المحكمة الدولية يمهد لقرارات مماثلة في القضايا العالقة امامها كما انها تثبت الاستخلاصات السياسية التي انتهى اليها اللبنانيون بأنفسهم بناء على ان المستهدفين جميعهم كانوا من فريق واحد مناوئ لـ”حزب الله” والنظام السوري ما ساهم في تطويع خصوم الحزب السياسيين في لبنان وتمكينه من فرض اجندته في حال شاء اي مراقب العودة الى الخط البياني للمسار السياسي في لبنان منذ 2005 حتى الان. فالتأخير الكبير جدا في عمل المحكمة الدولية لمرحلة امتدت 14 عاما، سمحت بحصول متغيرات كثيرة بحيث يخشى ان قراراتها باتت تقع في آذان صماء عاجزة. فلبنان الرسمي ابلغ القرار الاخير للمحكمة من اجل توقيف المتهم الرئيسي في اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال مروان حماده والياس المر في حزيران الماضي، وهي فرصة اتاحت له ممارسة سلطته العملانية في ما خص ملف الاغتيالات في لبنان، لكن الجواب معروف سلفا على خلفية ان القرار الصادر عن المحكمة انما يحرج الدولة اللبنانية التي يشكل الحزب ظاهريا جزءا منها في الوقت الذي لا تستطيع الاجهزة الامنية المس بأي من مكوناته تماما كما هي الحال بالنسبة الى الانفاق في جنوب لبنان والذي انتظرت المجموعة الدولية ان يتاح للجيش اللبناني وليس للقوة الدولية العاملة في الجنوب القدرة على تقديم اجوبة شافية حولها، لكن من دون نتيجة لانه لم يتح للجيش اللبناني استطلاع المناطق التي يشتبه بانطلاق الانفاق منها والتي هي مناطق نفوذ للحزب. وكذلك الامر فان لبنان يعجز عن التجاوب مع طلب المحكمة توقيف المتهم في هذه الجرائم وتتمسك بذريعة انها لا تتمكن من تحديد مكان اقامته، علما ان ذلك قد يكون خارج لبنان منذ وقت بعيد جداً. علما انه اذا كان لبنان يتفهم الحزب في موضوع الانفاق لارتباط الموضوع باسرائيل، فان المسألة تغدو في موضوع توقيف متهمين من المحكمة الدولية بمثابة تغطية من الدولة او عجز على نحو لا يمكن دحضه.




قبل عشرة ايام على صدور قرار المحكمة الدولية، صدر موقف لافت عن وزير الدفاع الاميركي السابق جيمس ماتيس الذي خرج قبل اشهر قليلة من ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب. اتهم ماتيس ايران بأنها وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري فيما كانت المساعي الفرنسية تشق طريقها من اجل محاولة تأمين لقاء بين الرئيسين الاميركي ترامب والايراني حسن روحاني، وتمت اقالة مستشار الامن القومي جون بولتون لهذا الغرض قبل ان يحرج الرئيس الاميركي بقصف منشآت نفطية في المملكة السعودية. ومع ان ماتيس لم يوضح حيثيات ما اورده وهو وزير بات خارج الادارة الاميركية راهنا، فانه يرجح انه قصد اغتيال الحريري عبر القرار الظني للمحكمة الدولية الذي طاول عناصر من “حزب الله” في اغتيال الحريري. وهذا امر ليس جديداً الاّ بمقدار اتهام مسؤول سابق كماتيس ايران على نحو مباشر. وهناك ضغوط وعقوبات اميركية على ايران والحزب في مسائل الارهاب والتي قد يتم وضع الاتهامات التي تعود لعناصر من الحزب في هذا السياق، الا انه يجب الاقرار بأن الآثار المعنوية للاتهامات التي تطاول الحزب في هذا الاطار اقله في الداخل ليست مؤثرة فيما ان الافرقاء السياسيين الذين طاولتهم عمليات او محاولات اغتيال لشخصيات من صفوفهم اضطروا قسرا او طوعا الى محاولة تجاوز هذا الجانب تحت عنوان مصلحية مختلفة. وهو امر محبط في الواقع لمفهوم العدالة الدولية ان تبقى قراراتها من دون تنفيذ او ان يفتقد اللبنانيون الى الآلية التي تؤمن لهم العدالة التي يفتقدون في وطنهم، فيما ان السياسة تلعب دوراً اساسياً ان في غض النظر عما تعرفه دول وتكشفه وثائق، او ان يعتبر الفريق المتضرر ان السياسة تلعب دوراً على خلفية العداء او الخصومة الايديولوجية والسياسية. لكن لا بد من الاقرار بأن التجاوز السياسي الموضوعي لفترة الاغتيالات يخفف كثيراً من وقع قرار المحكمة بطبيعته غير المفاجئة اولاً ومن ثم لوجود لبنان في ظرف صعب على كل المستويات بحيث ان اي توظيف سياسي او اي رد فعل يمكن ان يؤدي الى نتائج خطيرة لا يمكن التكهن بها علما ان ليس هذا هو المطلوب ولا هو الهدف من المحكمة على الارجح بل هذا ما يمكن توقعه في لبنان في الظروف التي ال اليها سياسياً واقتصادياً ومالياً وحتى امنياً. ويستفيد “حزب الله” من حيث واقع الاستقواء الذي يتمتع به على مستويات عدة من اجل تجاهل متجدد لقرارات المحكمة الدولية واكثر بسيطرته العملانية على مفاصل الواقع السياسي كما من حيث الاضطرار الطوعي للافرقاء السياسيين الآخرين الى تلقي هذه القرارات واخذ العلم بها ليس اقله حتى اشعار آخر، وكأنما قرارات المحكمة تسبب باحراج لهؤلاء في زمن غياب القدرة على ابداء اي رد فعل حتى رد فعل ترحيبي بتوصل المحكمة في نهاية الامر الى استنتاجات حقيقية في عدد من مسائل الاغتيالات، لا بل ومواصلة التعاون ولو الموضوعي حتى اشعار آخر.