//Put this in the section
سمير عطا الله

لبنان الصغير – سمير عطاالله – النهار

يعود المهندس جورج أبو سليمان إلى الضيعة كل صيف مع عائلته، ويقيم في منزله عشاء يجمع معظم رعيله. وبعض الرعيل الأكبر. حضرت العشاء هذه السنة، محرجاً بالفارق في السن، فإذا بي أيضاً أمام مجموعة فوارق كثيرة أخرى. تأملت الحضور فإذا هم نموذج للبنان، الذي تعمّقت جذوره في الأرض وتحلّقت اعضاؤه في ارجائها. لا نعرف عمر بتدين اللقش على وجه الضبط. نعرف أن المير بشير اطلق عليها الاسم لكثرة صنوبرها، واللقش هو لحاء الشجرة الظليلة.

وكان شاعرها العظيم بولس سلامة يروي، أنها كانت في الأساس مُلكاً للدروز، الذين اقتطعوها لرهبان دير مشموشة، وكان أهل الضيعة شركاء لديهم، فتملّكوها منهم قطعة قطعة، اولها حيث يقوم منزل الشاعر، ولذا سمّي “جلّ المُلك”.




قصة بتدين اللقش هي قصة “لبنان الكبير” في علة الوجود، لا في أرشيف القناصل. عشاء جورج أبو سليمان لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية. قرية المرابعين هذه تضم، كما ظهر في العشاء، عدداً كبيراً من المهندسين والأطباء والطبيبات واساتذة الجامعات والمحامين وقاضياً كبيراً وضابطاً رفيعاً وقبطاناً في البحرية التجارية وسيدة أعمال كبرى.

وإذا كانت نظرية النسبية تنطبق أيضاً على هذا الوادي، ما بين “المطل” و”البقروق” ومائة منزل تقفر في الشتاء، فإن عدد هؤلاء المجلّين في أعمالهم شيء قياسي طيب. غادر جورج أبو سليمان طالباً إلى ستراسبور من المطار من دون المرور ببيروت تحاشياً للكلفة. وحمل معه بتدين اللقش. قبل خمس سنوات جاء بواحد من كبار رسامي فرنسا لكي يصور الضيعة، ثم يرسمها على جدران منزله في باريس. وعندما انتهى من عمله قررت بلدية العاصمة الفرنسية وضع المنزل على لائحة الاثريات الوطنية. وبعد أسابيع تنزل شركة هرمس Hermes الى أسواق العالم المناديل التي عليها صورة بتدين، منقولة عن رسمها.

أليست رحلة طويلة بين “الخلّة” و “الغبّيط”، وجادة يينا؟ قرية وهبها الدروز للرهبان. جوارها (بلغة اليوم) دير، وجوار الدير بلدة سنية (بنواتي) بأكملها، وجوار الجوار شيعة جباع، ودروز نيحا. وعندما كنا صغاراً كانت تمتلىء الساحة ذات صباح بالجمّالين القادمين من بعلبك، نعطيهم الحنبلاس والصنوبر، ويعطون العدس الذي ينبت كريماً في السهل، ويعز عليه أن يربى في الجلول الصغيرة، والانعطافات الحادة. ومن برجا كان يأتي أبو فوزي، حاملاً اقمشتها وصناعتها الملونة. وكان باشاً، أنيق الطربوش، باهر النظافة، مؤنس الحضور. وبعد سنوات طويلة سوف أتعرف الى محمد، أحد ابنائه، في الكويت.

هذا هو لبنان الكبير. لبنان الفيض، حسب نظرية “المعلم الثاني” أو الفارابي، باعتبار أن “المعلم الأول” كان أرسطو. من مجموعة قرى وبلدات على جبال صعبة وسواحل رحبة، حولت نفسها الى موانىء. ولد لبنان في المخاض، وظل فيه. قرى مكتملة النجاح تزدهر في محاذاة دولة كاملة الفشل. مواطن يبني مستقبله في كل الامكنة، ويعيش وطنه على زاوية حادة، مهدداً بالسقوط في كل يوم، لا تعرف أجياله، – كما تحدثت ميشيل تويني عن جيلها – كيف ستنام ولا كيف ستقوم.

يعيش الوطن الموازي حياة كفاية ورغد أحياناً. أما الدولة التي أوكلت اليه، فخانت الامانة ولم تستقل بعد. لا في ذاتها ولا في جوارها ولا في علاقاتها الدولية. الاستقلال الوحيد الذي انجزته، كان عن واجبها. والكائن غير المستقل، كيان غير حر.

شعرت دائما، من مربى بتدين اللقش وتكوّنها وحياتها، أن من العار ألا يكون لبنان جزءاً جوهرياً من أمته: قضاياها، تقدمها، أمنها، وتطورها وسلامة أجيالها. لكن أن نتحاشى الانزلاق الى الصراعات التي تفتتها وتدفعها الى الدماء والتخلف وانعدام القانون. فكيف يمكن ان تقوم وحدة عربية وليست هناك دولة مسؤولة، تعدل أولاً في شؤون عائلتها. وأي مستقبل أو حاضر لا مكان فيه للغيرية والآخر وحقوق الافراد والجماعات؟

في ظل هذا الفساد البنيوي، كان طبيعياً أن ينجح المواطن ويسقط الوطن. وفي غياب القانون تتحول السياسة الى مسرح هزلي، ويعمم السياسيون حقائق اليأس، وتتحول الهجرة الى استرحام. خلف المهندس شارل الحاج الكاردينال ميشال اده، في رئاسة الانتشار الماروني. تغيب عن عشاء رفاقه في الضيعة لأنه كان يحضر اجتماعا للجالية في المكسيك. من سبقه الى هناك من الضيعة؟ أوائل القرن الماضي، سافر الى التمبيكو، جدي لأبي، تامر شاكر. الغوار، اقتنى فرساً وكشة وراح يبيع الحرير في ديار المسدسات. يروي بابلو نيرودا أنه عندما أقام المكسيكيون احتفالا لتكريمه حضر عشرون شاعراً ومعهم مسدساتهم. وبين قصيدة وأخرى، كان الرصاص يملأ الاجواء. وكان أديب المكسيك، أوكتافيو باز، قد حذره من ذلك: لا تنسَ بابلو، أن ديواننا الأهم هو المسدس.

عاد تامر شاكر من هجرة الى المكسيك وميشيغان، غير ميسور إلا في طيبته. وأما جدي لأمي، يوسف سلامة، فطفق على فرسه يبيع الحرير في الشوف والبقاع، ويتاجر بالصنوبر والعقار حتى أقام لنفسه امارة من الاحراج والاملاك عبر المنطقة، ومنها بسري، التي سيقام في وجهها الخلاّب، مثل حدائق الرشيد، سد مثل سد مأرب. وقد حذرنا النائب قيصر ابي خليل في أن من يتحدى بناء السد العظيم خادم للصهيونية. ولتحيا المناقصات القومية!

تطل على السد الوقح، مثل غيره من سدود الجدب والتصحير، مجموعة من القرى النابهة، أقلها بتدين، التي تبلغ نسبة الجامعيين في قوتها العاملة 90%. ليس من الممكن مخاطبة أهل هذه المنطقة باحتقار عقولهم ومعارفهم ورقيهم المدني وتراثهم الوطني. اتهمنا في شبابنا الضائع مارون كنعان بالاقطاع. ولما نضجت مداركنا عرفنا أنه كان اكثرنا تواضعاً وبساطة، وأقلنا قلة. وأدركنا أن الذي بنى لبنان الصغير هم الذين بنوا لبنان الكبير. عائلات لها قيَم وكرم وخلق. بعضها كان قليل المعرفة، قليل الدراية، لكنها جميعاً أحبت لبنان ولو اختلفت على صيغته أو دوره.

ليس في كل بلدان القرن الذي بدأ في فرساي العام 1919، بشارة الخوري ورياض الصلح. وليس من بلد في حجم لبنان لعب دوره في عصر النهضة العربية. وليس من مجموعة صغيرة مثل جماعته لها في العقد العربي الفكري، اسماء عصر واحد ضم مي زيادة، وخليل مطران، وجرجي زيدان، وشكيب ارسلان، ومصطفى صادق الرافعي، وولي الدين يكن، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة. عندما تنقل بولس سلامة قاضياً في بيروت وطرابلس وزحلة وعاليه، لم تكن لبتدين اللقش طريق إلّا طريق الخيل والمكارين. مَن عيَّنه قاضياً في لبنان الكبير؟ الكفاءة الفائقة التي يتمتع بها أهل لبنان الصغير. والأخلاق التي كانت لا تزال عند أهل السياسة. ألم يقل رياض الصلح لكريمته علياء، يجب أن نؤَمِّن الخدمات للناس وكأننا نعرضها عليهم لحاجتنا إليهم. لا تتركي صاحب حاجة يعبِّر عن حاجته. اسبقيه إليها.

هكذا سُمّي سامي الصلح “بي الفقير”. من دون لينين وجان – جاك روسو وأدبيات ماركس. شيء من تعاليم متمِّم مكارم الاخلاق، فإذا سامي الصلح رمز القضاء في لبنان. ويوم أنكره مشاغبو السياسة، احرقوا منزله، لكن النار لم تمتد لحظة الى سيرته وسمعته الاخلاقية والإنسانية.

كانت بيروت مدينة صغيرة وقرية كبيرة، لا يفطر فيها الصائم الميسور إلا بعد التأكد من أن إفطاراً وصل الى الصائم الفقير. تلك كانت قاعدة المدن والقرى والاحياء، قبل أن تتحول السياسة الى تشليح علني، ومهنة فاسقة، ويسود فيها المال الحرام، ويهان فيها الضعيف، وتتحجر الضمائر مثل تماثيل الملح في بومبايي.

لا نزال نعيش في لبنان الصغير. جاءتنا كهرباء فؤاد شهاب عندما كنت في السابعة عشرة من العمر. ولم تعد أي أهمية للقش، الذي نشعل به نار الظلمة عندما يغيب عنا ضوء القمر. ولا نزال نعمل من أجل لبنان الكبير. نحلم بأنه ممكن ذات يوم، وبأن قيمه الجمهورية سوف تُستعاد الى نظامه البالي والمبتلي. لكن من الآن وإلى ذلك الوقت، لن يتخلى شارل الحاج عن مؤتمرات المكسيك، ولا جورج أبو سليمان عن نقل بتدين الى جادة يينا وعالميات هرمس. سوف يبقى لبنان الصغير لوحة لا كسارات فيها ولا مقالع.

عذراً على الإطلة هذا الأربعاء. لكنها حكايات بتدين اللقش. وآخرها أن طوني صايغ الابن استقال من منصبه وكيلاً مساعداً لوزارة الخزانة الأميركية، حيث تولى جزءاً من التفاوض مع الصين. وعلى ذلك، مُنح وشاح الكسندر هاملتون، أرفع تقدير تقدمه الوزارة. وإلى أين ذهب طوني صايغ الإبن؟.. مديراً عاماً لشركة TENEO، الاستشارية في تدريب القياديين في العالم. لك أطيب التحيات من ساحة الضيعة.