//Put this in the section

ما مصير ربط نزاع نصرالله-الحريري بعد قرار المحكمة؟

مجد بو مجاهد – النهار

تبدو بيروت اليوم مختلفة عن تلك العاصمة الضاجّة بصدى أصوات المتظاهرين والصادحة بالخطابات السياسية الرنّانة، في عودة ذهنية إلى مشهدية سنة 2005. ويتراءى أن اللبنانيين منهمكون باستحقاقاتٍ من نوع آخر، كهذا الذي يبحث عن صيرفيّ يبدّل ليرته بدولار، ولا يجد مَن يؤمّن طلبه، وذاك المنشغل بالتفاوض مع إدارة مدرسة ولده على دولارات سينفقها في حضرة اقتصاد ضبابيّ. لم يشعر اللبنانيون صراحةً بمهبّ القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان، وهذا ما يظهر ببساطة في استطلاع الآراء والانشغالات الاقتصادية والاجتماعية لمواقع التواصل أوّلاً.




وينسحب المشهد الاقتصادي على روتينية الواقع السياسي في البلاد. فالرئيس سعد الحريري يتشبّث بالاستقرار، واضعاً ثقله كي لا يطيّر هذا المهبّ العاتي الهدوء الأمني المخيّم ولا يؤدي الى انزلاق الاقتصاد الذي يسير على حبل بانتظار الوصول الى برّ الأمان. وبذلك، سيتعامل رئيس الحكومة بواقعية ونضجٍ مع الحدث، ولن يضع البلاد على طاولة الرهانات، كما يرشح من مقاربة أوساط نيابية في “تيار المستقبل”، مشدّدة على “انتظار الحكم العادل في قضية استشهاد الرئيس رفيق الحريري وشهداء 14 آذار، من غير السماح بالإنجرار نحو مشاكل داخلية أو أمنية”.

ساهمت التسوية السياسية الأخيرة في ربط النزاع بين “حزب الله” و”تيار المستقبل”. فهل يؤدّي قرار المحكمة الى فكّ هذا الربط القائم بين المكونين؟ تشدّد الأوساط المستقبلية على أن “لا تسوية بل مجرّد ربط نزاع. ويدرك الجميع موقف المستقبل الثابت من سلاح حزب الله وطريقة عمله وعدم رضوخه لقرار الدولة”، مؤكّدةً أن “ثمة مصالح لبنانية سنعمل على تحقيقها، من دون أن يعني ذلك إغفال الثوابت”. اذاً، يتعامل “التيار الأزرق” بحسب دقّة المرحلة، من دون التخلي عن المطالبة بالعقاب.

لم يشعر “حزب الله” بمهبّ المحكمة، ولا يزال سياسياً تحت تأثير جوّ معتدل – قليل الغيوم. ويهزأ مصدر في كتلة “الوفاء للمقاومة” من “تحميل مسؤولية الاغتيالات لسليم عياش الذي تحمّل كلّ هذا الوزر فيما كانت بوصلة الاتهامات مصوّبة بداية باتجاه سوريا”. ويقول إن “الحريري يدرك في قرارة نفسه أن المحكمة الدولية تتهم بالسياسة وليس بالحقائق”. ويرى أنه “سيتم تحييد الحكومة في ظلّ الوضع الاقتصادي الهش. ولن يؤثر القرار على الحياة السياسية التي ستستمرّ”.

لا تخفى على أحد العقبات التي تمنع الدولة اللبنانية من تسليم المتهم (عيّاش)، وهذا ما تسلّم به الأوساط “المستقبلية” بقولها إن “الحزب لن يقدّمه الى المحاكمة، ولو بعد مئة سنة”. ولا يمنع ذلك تحقيق الغاية من المحكمة في “تبيان الحقيقة كاملة، الشعار الذي رفعه المستقبليّون عشية استشهاد الحريري”.

ويتشارك جميع الذين انضووا في مرحلة ما تحت عباءة قوى الرابع عشر من آذار على اختلاف المتفرّعات السياسية التي فرّقتهم، قناعة راسخة بأهمية المحكمة في الكشف عن الحقيقة. ويقول مصدر شاهِدٌ على حقبة رفيق الحريري و”ثورة الأرز” إنها “المرّة الأولى في تاريخ البلاد منذ سنة 1943، تكشف المحكمة هوية المسؤول عن الاغتيالات وتساهم في ردعها. ويعكس ذلك أهمية معنويّة وتاريخية من شأنها حماية الحياة السياسية على المدى الطويل، وهي من الانتصارات القليلة التي حققتها ثورة الأرز”.

كيف يقارب المتحدّث نفسه انعكاسات القرار على ربط النزاع بين “حزب الله” و”المستقبل”؟ يقول: “هناك تحالف عميق وأصبحت العلاقة في مكان آخر. وقد اقتنع الحريري بأنه اذا أراد تحقيق أي مسعى اقتصادي، عليه أن يسلّم على الصعيدين السياسي والأمني. ويقتنع الحريري بأن لا امكانات واضحة سوى النهضة الاقتصادية التي تعوّض على المدى المتوسّط والبعيد”. ويرى أنه “سيتم استيعاب قرار المحكمة تحت عنوان المصلحة الوطنية”. ويلفت الى أن “خطاب التيار الأزرق تنظيمي وتنموي وخدماتي، ولم يعد ثمّة محتوى سياسي للخطاب، وهذا توجّه استراتيجي حريريّ على مرحلة طويلة المدى”، مشيراً الى أن “السكوت عن كلام السيد حسن نصرالله يدلّ على استيعاب مختلف للتسوية، والتسليم بالخلل الكبير في توازن القوى والقبول به”.

ويقوّم المتحدّث الذي تشرّب مرحلة رفيق الحريري مآلات الأمور، بقوله إن “الشعارات السياسية ليس لها وزنها في الشارع السنّي اليوم. إننا أمام جيل جديد لم يعش مرحلة رفيق الحريري ويعتبرنا من الحالمين به. بالنسبة الينا رفيق الحريري “شغلة كتير كبيرة”، لكن بالنسبة الى أجيال اليوم فإن رفيق هو سعد الحريري الآن، وتقوّم المشهد بناءً على كيفية تعاطيه مع المسائل”. ويضيف: “رفيق الحريري ذكراه أصغر منه بكثير، ونحن نعيش تبعات اغتياله في ظلّ غياب الوجوه السياسية القوية وغياب مواجهة المشروع الايراني في المنطقة واستشراء المشاكل الاقتصادية التي كانت تعالَج بتلفون من رفيق الحريري”.

ويخلص الى أن “الموضوع ليس عيّاش بل القرار السياسي بالتسوية. وسيوصل التعاطي الحالي البلاد الى مزيد من الانهيار. ويبقى الخيار في الذهاب الى المعارضة، ولنترك الحزب يتسلّم البلاد. رفيق الحريري فعلها في عهد 1998، مسجّلاً أكبر انتصار في تاريخه. وقتذاك، كان الشارعان المسيحي والشيعي ضدّه، واستطاع نتيجة تحالف صغير تحقيق انتصار كبير مبدّلاً المعادلة السياسية”.