//Put this in the section

ما الثمن الذي سيدفعه لبنان من حرب أشعلتها حرائق ”أرامكو”؟

أحمد عياش – النهار

لم يكن لبنان عبر تاريخه في منأى عن أحداث المنطقة. وها هو اليوم مجدداً أمام حدث كبير يتفاعل منذ فجر السبت الماضي، عندما أصابت طائرات مسيّرة مفخخة أهدافها في أكبر حقلين نفطيين في العالم. وفيما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من منشآت بقيق وخريص في المملكة العربية السعودية، قفزت إلى الواجهة احتمالات حرب مع إيران التي اتهمها وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو بأنها ضالعة في الهجوم. وبعد 48 ساعة، أطلت احتمالات جنون أسعار النفط التي هي بالنسبة إلى معظم دول العالم حرب توازي بأخطارها الحرب العسكرية.




الموقف الرسمي الذي صدر عن رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بإدانة العدوان على منشآت النفط السعودية أتى في التوقيت الصحيح. هذا الموقف أخذ في الاعتبار العلاقات اللبنانية – السعودية التي هي أعمق بكثير من علاقات ربط النزاع بين الحريري و”حزب الله” الشريك الرئيسي في الحكومة. وفي رأي مراقبين، أن موقف الحريري، إضافة إلى كونه واجباً مبدئياً، فهو يحفظ مصالح مئات الآلاف من اللبنانيين الذين يعملون في المملكة أو يقيمون علاقات تجارية واقتصادية ومالية معها. لكن هل ستنتهي انعكاسات الحدث النفطي عند هذا الحد؟

في معلومات لـ”النهار” من أوساط رسمية، أن الأنباء الاولية التي توالت منذ السبت الماضي حول الاضرار التي ألحقها العدوان على حقلَي النفط السعوديين، أثارت قلقاً فورياً حيال نتائج ارتفاع أسعار المشتقات النفطية على فاتورة الكهرباء في لبنان. وتوضح هذه الاوساط السبب الرئيسي لهذا القلق، فتقول إن جوهر الاصلاحات التي ينشدها مشروع موازنة 2020 الذي شرعت الحكومة في مناقشته، هو خفض عجز هذه الفاتورة البالغ تقريباً نحو ملياري دولار سنوياً بمقدار النصف تمهيداً للتخلص من هذا العجز كلياً في السنوات المقبلة. والأساس الذي قام عليه السعي لخفض العجز في الكهرباء هو الأسعار المتدنية للنفط. أما الآن، فقد تغيّرت الحسابات جذرياً. ففي الساعات الماضية فقط، لاح شبح عجز كبير بفعل مستويات أسعار النفط الجديدة. ومَن يضمن أن يبقى الارتفاع الجديد في أسعار النفط عند حده الحالي فلا يتجه صعوداً أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة؟

عشية الانطلاق في بحث مشروع الموازنة، علمت “النهار” من أوساط مرجع حكومي أن هناك اهتماماً بتوفير موارد بنحو 800 مليون دولار من اجل الابقاء على العجز المحدد رسميا بنحو 7,5 في المئة. وكانت هناك مشاورات تمهيدية مع الأطراف الرئيسيين في الحكومة من اجل التحضير للإجراءات التي يجب اتخاذها كي يتم توفير هذا المبلغ. ولاحظت هذه الأوساط أن هناك إجماعاً انتهت إليه هذه المشاورات مفاده ضرورة جمع 800 مليون دولار. لكن في الوقت نفسه، كان هناك انقسام شامل تقريباً في مواقف أطراف الحكومة حول المصادر التي يمكن أن توفر مثل هذا المبلغ. وعلى سبيل المثال، بدا ممثلو “حزب الله” متجاوبين تماماً مع السعي لتوفير الإمكانات لتثبيت العجز في الموازنة عند المستوى الذي تريده الحكومة، لكنهم كانوا في الوقت عينه متحفظين عن إجراءات تطاول شريحة من المواطنين يبلغ دخل الفرد الشهري منهم 3 آلاف دولار أميركي. وإذا كان من مصادر لتحصيل هذا المبلغ، بحسب الحزب، فهناك القطاع المصرفي.

لن تكون مرحلة الموازنة الجديدة مريحة، كما يجري الايحاء. وما يؤكد ان مثل هذه الراحة مجرد افتراض، ما تداولته أوساط اقتصادية حول خطة يجري تحضيرها للحصول على عمولات ضخمة جدا تذهب الى النافذين وذلك عبر إنشاء أربعة معامل لإنتاج الطاقة الكهربائية بقيمة 3 مليارات دولار، سيجري تسديدها سنويا بنحو 400 مليون دولار، علما ان الكلفة الحقيقية لهذه المعامل لا تصل الى مليار دولار.

ثمة نافذة يطل منها بصيص انفراج يتمثل بمليار و400 مليون دولار أميركي متوافر في المؤسسات المالية الدولية لإنفاقه على مشاريع البنى التحتية، لكن ذلك يتطلب الإفراج عن هذه المشاريع العالقة في مكان ما على مستوى الحكم. وهذا المبلغ منفصل عن أموال مؤتمر “سيدر” الذي وجد أخيراً دفعاً سيقوى قريباً في الزيارة الرسمية المرتقبة لرئيس الحكومة الى باريس للقاء الرئيس ايمانويل ماكرون، على ان يلي الزيارة الانطلاق بعمل لجنة المتابعة الاستراتيجية للمؤتمر، والتي من المرجح أن تنعقد للمرة الاولى في تشرين الثاني المقبل في العاصمة الفرنسية.

بالرغم من كل هذا المدّ من الإجراءات الواعدة والجزر من المعطيات السلبية، تبقى الأنظار مصوّبة إلى حرائق “أرامكو” التي سيبلغ لهيبها هذا البلد بشكل أو بآخر.