//Put this in the section

في ذكرى انطلاقة ”جمول” ضد الاحتلال… كيف تحوّلت المقاومة جيشاً مع حزب الله؟

ابراهيم حيدر – النهار

يقدم “حزب الله” اليوم نفسه كقوة لبنانية جديدة تشكل توازناً مع الاحتلال الإسرائيلي. وهو بذلك يستثمر فائض قوته كبنية قائمة بذاتها مستقلة عن الدولة. هذه القوة باتت تتحكم وفق سياسي لبناني اليوم بالقرار في البلد، ومن هذه الزاوية يمكن للحزب أن تكون له كلمة الفصل في ملفات ترسيم الحدود والثروة النفطية وفي الملف الفلسطيني واللاجئين أيضاً. ويمكن لفائض قوته أن تكون احتياطاً لرفع عديد قواته في سوريا بعد تدخله منذ عام 2012 في الحرب الدائرة هناك بقرار مرجعيته الإيرانية. مناسبة هذا الكلام تحضر في الذكرى الـ37 لإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الإحتلال الإسرائيلي في 16 ايلول 1982 من أطراف يسارية لبنانية، حين كان “حزب الله” وليداً جديداً، إلى حين تسلمه دفة المقاومة في رعاية الوصاية السورية في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، ويقصي معها أحزاب اليسار التي أطلقت المقاومة ويربطها بمرجعيته في كل القضايا.




تحضر في ذكرى إعلان جبهة المقاومة كل التحولات التي غيرت لاحقاً من وظيفتها، وهي أطلقت وسط إنقسام لبناني حاد حول الصراع مع إسرائيل التي احتلت أكثر من نصف لبنان وبيروت بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، وأعلنت في نداء من بيت صغير في المصيطبة بالقرب من منزل الشهيد كمال جنبلاط بتوقيع الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم، فراحت بيروت تقاوم، وأجبرت الإحتلال على الانسحاب، بعد أقل من أسبوعين، من دون مفاوضات أو شروط، لتعم المقاومة مختلف المناطق من الضاحية الى الجبل والجنوب.

شكل نداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية منعطفاً تاريخياً على مستوى لبنان، وفق ما يقول سياسي مواكب لتلك المرحلة، فهو فتح الطريق لممارسة مقاومة لبنانية صافية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، انطلاقاً من المسؤولية الوطنية، وإيماناً بأن هذه المقاومة ستشكل بوابة التحرير وطريقاً لتحقيق الوحدة الوطنية. ويذكر أن المقاومة انطلقت في كل أحياء بيروت، وهي التي عجّلت في انسحاب الاحتلال من العاصمة، ونجحت قبل أن تتحول أمورها وتدخل في التجاذبات الإقليمية في تكبيد الاحتلال خسائر كبيرة، وأجبرته على الإنسحاب من مناطق واسعة، بدءاً من الجبل في مرحلة أولى، ثم صيدا والنبطية الى أن بقي الاحتلال في الشريط الحدودي، قبل أن ينسحب نهائياً في عام 2000.

بدأ دور جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بالانحسار بدءاً من عام 1989، وبروز المقاومة الإسلامية كطرف وحيد في مواجهة الإحتلال. ويذكر السياسي كيف بدأت سلطة الوصاية السورية بكسر لبنانية المقاومة وتحويلها الى أداة إقليمية، ثم إدخالها في حساباتها، فطوّقت الأطراف المؤسسة لها، الى أن تراجع دورها وغرق بعضها في رمال الحروب الأهلية الطائفية والمذهبية التي سحبت المقاومة الى دائرتها. ثم انتقلت رايتها الى قوى طائفية صافية، تولى حزب الله قيادتها بإمكانات كبيرة ودعم إقليمي، فيما التحقت أطراف من اليسار بقوى طائفية ودفعت الكثير من رصيدها ودورها.

أقصيت أطراف اليسار من المقاومة، وتولاها “حزب الله” إلى أن تمكنت من فرض الإنسحاب الى ما وراء الحدود. وقد أصيبت المقاومة بأعطاب بنيوية وفق السياسي، إذ هي كانت ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000 أي قبل إنجاز التحرير أكثر قوة بقتالها على رغم هيمنة المرجعيات الإقليمية على قرارها. وقد بدا أن استثمار فائض القوة ومعادلاتها في مواجهة إسرائيل وفي الصراع الإقليمي من سوريا إلى العراق التزاماً بقرار المرجعية الإيرانية، يُستثمر في الداخل لتغيير موازين القوى. وها هي المقاومة التي قادها حزب الله منذ التسعينات من القرن الماضي بعد تفكيك نسختها الأولى قد قاتلت محتضنة من الداخل اللبناني، حيث شكلت محطات الاعتداءات الإسرائيلية 1993 و1996 تكريساً داخلياً لحمايتها، وهي كانت قوية باللبنانيين في الداخل أكثر، على رغم انها كانت تقاتل بامكانات متواضعة لا تقاس بما هو متوافر اليوم.

لبنان هزم الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، لكن إنجاز التحرير لم يستثمر من ناحية إيجابية كفرصة لإعادة بناء الدولة. ولعل أحد الأسباب الرئيسية لذلك أولاً الإنقسام اللبناني المستمر والخلاف حول طريقة إدارة الصراع مع الإحتلال، ثم الأهم استمرار أداء “حزب الله” لدور إقليمي، وإن كان يشكل قوة ردع للإسرائيليين، انما هذه القوة تمنع التدخل في شؤونها، أي أن لا نقاش وفق السياسي بموضوع السلاح أو حتى الاستراتيجية الدفاعية أو في قرار الحرب والسلم.

وظيفة معادلة القوة اليوم متصلة بالملفات الإقليمية، لذا يظهر أن لبنان جزء من الهيمنة أو المعركة الدائرة بين المحاور. وفي كل ذلك لم يجب “حزب الله” وفق السياسي عن وظيفة المقاومة في الداخل اللبناني، هل هي قوة ردع للإحتلال فقط أم لها وظائف أخرى مستمرة على أكثر من محور. فمسوغات الحزب التي يوردها دفاعاً عن استمرار مهماته القتالية في أكثر من محور إقليمي، لا تتشكل حول المهمات الوطنية في مواجهة الاحتلال، إذ أن المعركة مع إسرائيل التي جرت على مدار 18 سنة منذ 1982 وحتى لحظة التحرير في عام 2000، كانت محط اجماع لبناني أو شبه اجماع، فلم تخرج أصوات تقول بإنهاء المقاومة، بالرغم من الانقسام الذي شهده البلد في الثمانينات، واستمرت الى أن أنجز التحرير.

سقط شهداء كثر على طريق تحرير الجنوب، ثم اختلفت المعطيات ليسقط آخرون في مواجهة عدوان 2006، لكن ان يسقط شباب في غير المكان الذي جادل “حزب الله” طويلاً في موضوع سلاحه، مدافعاً عن استمرار استقلاله عن الدولة، فذلك يطرح بالنسبة الى كثير من اللبنانيين أسئلة كثيرة، ويعيد النقاش الى البدايات مع ذكرى إطلاق “جمول” والأعطاب التي أصابت قواها ومناعتها الوطنية…