سهى أنت البشارة!

مسعود محمد

“عندما تخون الوطن لن تجد ترابا يحن عليك يوم موتك ستشعر بالبرد حتى وأنت ميت” هذه واحدة من أشهر مقولات الشهيد غسان كنفاني وهي تصلح درسا لمن يحاول أن يقنعنا أن العمالة هي وجهة نظر.




هكذا بدون مقدمات يدخل عبر مطار بيروت العميل عامر الخوري آمر سجن الخيام التابع لمليشيات العميل إنطوان لحد عبر وتنتشر صوره مع عدد من القيادات المسيحية ومع السفير اللبناني في واشنطن وصورة تبين أنه قد أدلى بصوته في الإنتخابات النيابية، مما يظهر أن العميل كان يعيش حياة طبيعية، يتعامل مع السفارة اللبنانية، ويدعى بعد دخوله إسرائيل وسفره منها بجوازها الى الولايات المتحدة للسفارة، وكان العميل الذي كان يعطي الأمر بجلد وقتل المناضلين الوطنيين يدعى الى مناسبات السفارة بكل أريحية، لأنه في لبنان هناك من يعتبره مبعدا وليس عميلا (التيار العوني، وأكثر القيادات المسيحية)، كما أنه هناك من وقع مذكرة تفاهم يسمح فيها بالتساهل مع موضوع العملاء (حزب الله).

أطلت سهى بشارة اليوم عير محطة ال أل بي سي لتطلق كلمات كانت بفعالية طلقاتها التي أطلقتها على صدر العميل لحد بمسدس الشهيد جورج حاوي، لتسقط مشروع التطبيع الذي يقوده التيار الوطني الحر، فيخرج الذباب الإلكتروني للتيار وأنصار التيار ليشتموا المناضلة سهى بشارة عبر وسائل التواصل الإجتماعي حتى كاد الواحد منا يعتقد إنه سيتم إستدعائها للتحقيق معها بتهمة إطلاق النار على لواء في الجيش اللبناني وهو العميل أنطوان لحد.

كتب الإعلامي عفيف دياب على صفحته للتواصل الإجتماعي ” في الأيام الأولى من تحرير الجنوب، أقدمت السلطة اللبنانية يومذاك، ومن خلفها استخبارات الوصاية السورية، على بث تحذيرات من المس الجسدي أو الأمني بعملاء الاحتلال الإسرائيلي. التحذيرات كانت تصل ترغيباً وترهيباً، وأن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بمحاكمتهم. وقد شاع يومذاك في الجنوب مصطلح “تبييض العملاء” حيث كان العميل يدفع مبلغاً من “تعويضه المالي الإسرائيلي” لضابط سوري او لمسؤولين في بعض احزاب “الممانعة” مقابل حصوله على ما يفيد أنه كان عميلاً سريأً للمقاومة في المنطقة المحتلة؛ ويخرج من التوقيف بريئاً من تهمة الخيانة والعمالة للعدو الإسرائيلي.”

عام 1982 بلغ التصعيد العدواني الإسرائيلي مرحلة جديدة من مراحله، فقامت قوات الغزو، في الكيان الإسرائيلي الغاصب، باحتلال العاصمة اللبنانية بيروت. وكانت قيادة الحزب الشيوعي قد توقعت وصول العدو الى بيروت وأبلغ الشهيد جورج حاوي حينها كوادر الحزب في إجتماع موسع أنه ينبغي على كل شيوعي أن يكون جاهزا لإنزال أشد الضربات بالعدو من حيث هو موجود دون إنتظار أي تعليمات لأن التواصل قد ينقطع. وفي السادس عشر من أيلول من العام ذاته، انتقل النضال الوطني اللبناني نقلة متقدمة، فأطلق الوطنيون اللبنانيون جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وخاضوا قتالاً ضد الغزاة في شوارع العاصمة المحتلة، وعلى امتداد الجغرافيا اللبنانية التي اجتاحتها قوات العدوان. لم يكن نداء المقاومة الذي أطلقه الشيوعيون اللبنانيون بالتحالف مع رفاقهم في منظمة العمل الشيوعي نصاً غائماً، بل كان سطوراً حيّة وحيوية تضج بزخم الصمود الذي جعل العاصمة بيروت عصيّة على الاجتياح طيلة ثلاثة شهور من حصارها، وكان النص تتويجاً لتاريخ من التصدي المشترك، اللبناني والفلسطيني، امتد منذ أواسط الستينات عبر إطلاق الحرس الشعبي وصولا الى إطلاق جبهة مقاومة وطنية أسقطت إتفاق الذل إتفاق 17 أيار بالتحالف فيما بين قوى وطنية لبنانية وفلسطينية، لتثبت للعدو أن البقاء في أرضنا مستحيل وأن دخوله الى لبنان لن يكون نزهة. كان نداء المقاومة نداء وطنيا لكل لبنان ولكل لبناني لم يستثني أحدا ولم يسمح للعدو باللعب على الوتر الطائفي للبلد كان نداء من أبناء لكل الوطن الى كل الوطن ” يا أبناء بيروت البطلة
يا أبناء شعبنا اللبناني العظيم في الجنوب و الجبل و البقاع و الشمال
أيها المقاتلون الوطنيون الشجعان…

إن العدو الإسرائيلي المستمر في حربه الوحشية ضد لبنان منذ أكثر من مائـة و أربعة أيام, يبدأ اليـوم بتدنيس أرض بيروت الوطنية الطـاهرة التي قاومـت ببطولة طوال هذه المدة و لقنته في خـلدة و المتحف و في ضاحيتها الجنوبية و كل مداخلها دروساً في البطولة لن ينساها.

إن العدو المجرم يتنكر لكل الإتفاقات التي أجبر على إبرامهـا بفضل المقاومة البطلـة للشعبين اللبناني و الفلسطيني بقيادة القوات المشتركة, يستهدف إقتحام بيروت الوطنية التي إسـتعصت عليه عندما كانت في حال الإسـتنفار و التعبئة, و قبل تثبيت الخطة الأمنية التي قضـت بتسليم أمن بيروت للسلطة الشرعية.

إن العدو الإسرائيلي يستأنف جريمته النكراء وسط الرعاية الأميركية نفسها التي تميزت بالخداع المكشـوف و الرخيص و التي أظهرت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية أنها القائدة الفعلية للعدوان عسكرياً و سياسياً ضد لبنان و شعبه, و يكشف التذرع بجريمة إغتيال المـرحوم الشيخ بشير الجميّل, للقيام بهذا العدوان الغادر على بيروت الوطنية مسؤولية إسرائيل و أميركا عن جريمة الإغتيال, كما يؤّكد مـدى خطورة الأهداف المجرمـة التي يحملها المخطط الأميركي_الإسرائيلي ضد لبنان وحدةً و كياناً و مصيراً.

إن أمريكا و إسرائيل لا تريدان لبنان بلداً موحّداً مستقلاً حرّاً سيّداً.

ان أمريكا و إسرائيل ستتابعان تنظيم الدسـائس و المؤامرات لتفرقة شعبنا و تقسيم بلادنا و تجزئتها تأميناً لسيطرة جديدة لهما على لبنان, و عبر لبنان على سائر الأقطار العربية المجاورة.

يا رجال و نساء لبنان من كل الطوائف و المناطق و الاتجاهات,
أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً مستقلاً,
الى السـلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الإحتلال و تحريراً لأرض لبنان من رجسه على إمتداد هذه الارض من أقصى الوطن الى أقصاه”.

يوم السادس من حزيران عام 1982 ، كانت بيروت تحترق إلا أنها لم ترفع الاعلام البيضاء، ورفضت نثر الأرز على المحتل كما فعلت بيئة مدعي المقاومة اليوم وتحولت بيروت الى درساً للغزاة، ودرساً لكل مستسلم؛ بيروت رفعت بندقيتها بدل الشارات البيضاء.

كتب مهدي عامل ذاك الثائر الذي قتله من كان يريد إنهاء دور تلك المقاومة وتحويلها من وطنية الى طائفية مرتزقة مرتبطة بأجندات خارجية في 26 أيلول 1982:

“قالوا: وتكون الحرب في لبنان خاطفة. أيامٌ معدودات، ويركع من لم يركع بعد، ومن لا يفهم إلا لغة القهر.

وقالوا: لا سلام سوى شالوم. و“اسرائيل” روما العصر.

لملوك “اسرائيل”، لأسيادهم الإمبرياليين و أسياد حثالة أمتنا في أنظمة الزفت العربية، لصغار الفاشست نقول:

يطيب لنا أن نبصق في أوجهكم.

سنقاتلكم حتى بأظافرنا.

قبضتنا بوصلة التاريخ، وطلقة حريتنا تخترق جدار القلب النابض منكم بالموت الرابض في أضلعكم.

ونقول: سنبني وطناً ينهض حجراً حجراً فوق قبور تتسخ بكم.
أنتم مزبلة التاريخ.

و بيروت مدينة أحرار قطعوا عهداً: سنقاومكم”.

وإنطلقت العمليات العسكرية فكانت الطلقة الأولى تحت منزل مهدي عامل الذي لجأ اليه قائد تلك المقاومة جورج حاوي مع مرافقيه، وأمر مرافق له برمي قنبلة على حاجز للعدو وشاهد من شباك صغير من مطبخ المنزل مرافقه وهو يرمي بالقنبلة، فكانت رسالة عملية من الميدان من الشهيد جورج لإلياس عطاالله بأن يباشر بالعمليات العسكرية فورا، فكانت عملية محطة أيوب وعملية صيدلية بسترس، وأطلق المناضل من الحزب القومي السوري خالد علوان النار على جنود العدو في مقهى الويمبي في الحمرا، ليصرخ العدو هلعا عبر مكبرات الصوت “يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار نحن خارجون”، وقد وثق الفنان أحمد قعبور تلك اللحظة التاريخية بأغنية حفظت بداية أول الإنتصارات العربية الحقيقية على العدو الإسرائيلي عبر إجباره على الإنسحاب من بيروت ” والله وطلعناهم بره”.

تلك المقاومة تقاطعت مصالح العديد من القوى على وقف عملها من يمين الدولة اللبنانية، التي لم تحتضن تلك المقاومة، الى اليمين العربي المتمثل حينها بالنظام السوري الذي دخل الى لبنان العام 1975 بالتفاهم مع إسرائيل وموافقتها لإنهاء أي إمكانية لخلق حالة تحررية على شواطىء المتوسط بقيادة الشهيد كمال جنبلاط، فكان القرار السوري بإغتياله لإجهاض عملية التغيير الحقيقية الأولى بقيادة الحركة الوطنية اللبنانية، حتى لا تمتد عدوى التغيير الى الدول العربية الأخرى، وأكملت عملية منع التغيير الثانية عندما لاحت الفرصة بإنضمام الشهيد رفيق الحريري الى تجمع بريستول الداعي الى تحرير لبنان من سوريا، فتم قتله بسبق إصرار، وقتل معه الشهيدان “جورج حاوي” لأنه كان أحد الأبوين الشرعيين للمقاومة الوطنية اللبنانية، هو ومحسن إبراهيم وهو الأقدر على لعب الأدوار الوطنية على مستوى كل الوطن وفضح الإدعاءات الواهية بقتال إسرائيل.

الشهيد الثاني كان سمير قصير الذي ربط ربيع بيروت بربيع دمشق، بوعي نضالي ومعرفة حقيقية بطبيعة العلاقات فيما بين لبنان وسوريا وفلسطين، فهو أراد عنوانا واضحا لتلك العلاقة يختصر بكلمة سحرية تدعى “الديمقراطية”، وفهم سمير قصير مبكرا أن فلسطين لن تتحرر بلا ديمقراطية حقيقية في العالم العربي.

يوم 25 أيلول العام 2000 وبتصريح له حول العلاقات اللبنانية السورية قال الشهيد جورج حاوي ” ندعو الى تصحيح العلاقة اللبنانية السورية من موقع الأخوة و الصداقة لأزالة الشوائب العديدة التي تعتريها و تظهرها على صيغة هيمنة و وصاية لا تبقي للبنان سلطة و مؤسسات و مجتمع..

كما لا بد من اعادة تحديد دور القوات السورية بعد التطورات الأقليمية الجديدة، وعددها و اماكن تموضعها الجديدة و مدة هذا الوجود … و لا بد من تحديث اسس العلاقة الأمنية و احترام القوانين الأدارية اللبنانية و السلطات القضائية اللبنانية.

ان استمرار الصيغة الراهنة للعلاقة مرفوض و هوبذاته ادانة للدور السوري الذي تولى الأشراف على الأمور في لبنان طيلة السنوات الماضية ..
فلم ينزع فتيل الأنفجار و لا عناصر الفتنة..

ان القضية الوطنية اللبنانية في هذه المرحلة هي قضية استعادة السيادة الوطنية اللبنانية كاملة غير منقوصة لبناء وطن حر مستقل و سيد.
وطنا عربيا بانتماء طوعي حر الى العروبة .. لا في ظل تعريب مفروض..”.

ليس غريبا أن نسمي نحن الوطنيين أمثال عامر الفاخوري “عملاء” ويسميهم التيار الوطني “مبعدين” ويسكت حزب الله عن الموضوع بورقة تفاهم وخباثة، فالخلاف بيننا أصلا عميق وهو حول دور وهوية لبنان، فلبنانهم تارة فينيقي وتارة إيراني، ويرتبط بمحاور خارجية يقودها حسين العصر الخامنئي، وينتمي الى تياره أقلويات طائفية مذهبية. أما لبناننا فهو عربي الهوية وسيد وحر ومستقل دافع عنه لبنانيون أحرار من كل الوطن وكانوا لكل الوطن.