نبيل بومنصف - النهار

الدم بعد سنين! – نبيل بومنصف – النهار

لا يتصل الامر فقط بعد كل هذه السنين بالحقائق المتصلة بشعور الناس حيال مسألة الاستشهاد من اجل قضية سيادة لبنان واستقلاله او التحرر من احتلال غريب عدو او وصاية دولة جارة “شقيقة”. باتت دماء الشهداء اكثر اثارة للانفعال من ذي قبل مع ان تراكم السنين هو العامل المخفف عن الناس لوطأة الذكرى الدامية.

رأينا في مناسبات مرت منذ فترة مدى الاحتدام الحار المتفاعل بين جماهير قضية تتصل بدماء شهداء والواقع السياسي الراهن الذي يبدو كأنه يعيد نكء الظروف التي واكبت اهراق دماء الشهداء. بالامس بدت الذكرى الـ37 لاستشهاد الرئيس بشير الجميل صاحب التجربة النادرة في 21 يوما من طلائع “ولاية مثالية” كيف انه لا يزال عشية العقد الرابع من اغتياله يثير ما يصعب تخيله لدى جمهور شاب لم يعرفه وجمهور عتيق ومخضرم شهد ظاهرته. في الاشهر المقبلة ستأتي محطات مماثلة مع اسماء لم يعرف الزمن ان يشق طريقه الى محو الذاكرة المثقلة بظروف مقتلتهم وستغدو الوطأة على الذاكرة اشد وقعا وثقلا ولو تراجعت الانفعالات الفورية بفعل الزمن. في المقبل من الزمن سيحل ايضا موعد اعلان الحكم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسيكون لهذا الاستحقاق دوي مزلزل…




كل هذا ماذا يعني وكيف يفسر؟ انه التأزم الخانق في رؤية لبنان المتراجع والآخذ في الابتعاد ابتعادا وتراجعا دراماتيكيا غير مسبوق حتى في حقبات الاحتلالات والوصايات والحروب عن مشروع تعويض اجيال الشهداء والأحياء كل هذه الجلجلة من المعاناة بقيام دولة الحد الادنى من الكرامة الانسانية والسيادية. في المفاهيم الشعبية البسيطة السائدة حاليا بين العفويين والبسطاء ثمة كلام اثقل من الفلسفة يمر بالترحم على الدماء التي اهرقت سدى وعبثا وما الى ذلك من أوصاف موجعة وصادمة ومثيرة للإحباط.

مع ذلك ترانا امام ظاهرة التعلق اكثر فاكثر بالشهيد كلما استعيدت ظروف اغتياله في الواقع السياسي الراهن تماما كما عبرت المواقف والأصوات الصارخة بالامس في ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل. سيكون مفجعا بكل المعايير ايضا ان يكتشف الذين نعوا الدولة المتخاذلة والمتواطئة والمستسلمة ان آذان هذه الدولة صماء لا تسمع هذا النوع المزعج جدا من التعبير الاعتراضي الرافض لواقع الحال وان عمى العيون صار لديها في آخر مراحله المتقدمة إيذانا بالعمى الكامل عن كل ما يمت بصلة مباشرة او غير مباشرة الى مناخ سيادي وسياسات سيادية وسلوكيات سيادية. والحال ان دماء الشهداء ما كانت لتعود الى اذكاء كل هذه المشاعر المربكة والمضطربة والثائرة والغاضبة لولا السقوط المدوي بل والخيالي للمفاهيم السيادية في ظل “الدولة المستقلة” الراهنة التي تبدو كأنها اجهضت تماما كل التزاماتها حيال هذا الترف !

ولكن ماذا تراهم يفعلون ايضا من كانوا يوما في الصف المقاوم السيادي فيما تتفشى بينهم حروب الإخوة الأعداء وتسيء بإمعان الى الشهداء والأحياء “بموديل” عصري عبر وسائل التواصل الاجتماعي ؟ واي نفع لمحطات تكريم الشهداء حين تغدو مصدر تفجير لأحقاد وصغائر وخدمات مضافة تقدم طوعا الى سائر السائرين في ركب الاجهاز على لبنان الذي كان ؟