//Vbout Tracking Code
وسام سعادة - القدس العربي

الفاخوري والفقرة السادسة من «التفاهم»… ومعركة الذاكرة – وسام سعادة – القدس العربي

كان «حزب الله» بالمجمل حليماً مع العناصر المستسلمة من الميليشيا الحدودية المتعاونة مع المحتل الإسرائيلي يوم تحرير جنوب لبنان. هذا على غير عوائد سجلّه الحربي وغير الحربي. ورغم التهديدات التي أطلقها أمينه العام قبيل الإنسحاب الإسرائيلي، ردّاً على الكلام عن استمرار ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» العميلة إلى ما بعد الإنسحاب، والتي يبدو أنها أتت ثمارها من خلال الذعر الذي دبّ في صفوف المتعاونين، لكنها في نفس الوقت أتت بنتائج زائدة، من خلال ذعر الأهالي غير المرتبطين عضوياً بالميليشيا المتعاونة. مع هذا، التحرير نفسه، في لحظة حدوثه، جاء «حليماً».

والدولة اللبنانية، التي كانت في تلك الفترة تحت الوصاية السورية، كانت أيضاً حليمة مع هؤلاء. لم يعدم فيها عميل واحد بعد التحرير. بقيت العقوبات من فئة «ما قلّ ودلّ». أفسحت مجالات عديدة لـ«إعادة تدوير» العناصر. اشتكى «حزب الله» من بعض ذلك، وساهم في بعضه الآخر.




فاخر عموماً بأنّ تحريره كان أكثر «نظافة» من صنيع المقاومة الفرنسية التي علّقت المشانق وسحلت عملاء الإحتلال الألماني في الشوارع.

بالتوازي، كان تسابق في صفوف «جيش لحد» التعيس هذا للفرار إلى إسرائيل فور انسحاب قوتها العسكرية من الشريط. كان لهذه الميليشيا من العديد والعتاد ما يكفي للاستمرار فترة اضافية ملحوظة بعد الإنسحاب لو أنّها تنبثق بالفعل من حيثية أهلية محلية، تمت بذي صلة للسردية المبتورة التي نسجتها حول «حماية القرى الحدودية»، وبخاصة تلك المسيحية. لكن اللحديين هربوا كالأرانب، واحتارت اسرائيل أين تضعهم، ولماذا عليها أن تأويهم. بعضهم، وعلى رأسهم انطوان لحد، فتح مطاعم لبنانية في اسرائيل. بعضهم الآخر استخدم لقمع انتفاضة الفلسطينيين 2002 وأعمال أمنية أخرى.

بعد أقل من ست سنوات على التحرير، وقع «حزب الله» ورقة التفاهم مع تيار الأكثرية بين المسيحيين، تيار العماد ميشال عون، الذي كان إلى تلك الفترة شديد الرفض لإستمرار الحزب في حمل السلاح، ثم انقلبت الحال.

نصّ التفاهم، في فقرته السادسة المعنونة «اللبنانيون في اسرائيل» على انه «انطلاقاً من قناعتنا ان وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين في اسرائيل تتطلّب عملاً حثيثاً من أجل عودتهم الى وطنهم آخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والأمنية والمعيشية المحيطة بالموضوع، لذلك نوجه نداء لهم بالعودة السريعة إلى وطنهم».

من الصعب التكهن حتى اللحظة هل «تسلّل» أحد جلاوزة جيش لحد، عامر الفاخوري، انطلاقاً من التباسات هذه الفقرة، أم أن هذه الفقرة ترجمت في المحصلة مصيدة له. بخلاف القيل والقال المحليين، هذا لا يتصل بتسجيل نقاط بين هذا المسؤول اللبناني أو ذاك. بل أنه يحيل إلى «حرب المواقع» الأمنية بين «حزب الله» والأجهزة الأمنية الأمريكية. وأيّاً كان ماضي أو حاضر الفاخوري «الإسرائيلي» فإنّ «أمريكيته» يجب أن تستأثر هي الأخرى بالإهتمام.

يأتي «ملف عامر الفاخوري» ليظهر أثر التباسات الفقرة السادسة من «تفاهم مار مخايل». ليس ما يشير الى أن التفاهم نفسه بين عون و«حزب الله» ذاهب الى تصدّع، لكن ثمّة واقعا يظهره الجدل حول الفاخوري، وهو استناد هذا التفاهم الى تلفيق بين سرديات من الصعب للغاية المواءمة بينها.

كذلك، أظهرت ردّة الفعل الغاضبة حيال سلاسة دخول الفاخوري الى البلد أنّ الرافضين لأي زغل في موضوع ادانة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان والميليشيات المتعاونة معه، وأي اعتداء على الذاكرة التحريرية، يتجاوزون الانقسام بين «ممانعين» و«غير ممانعين»، رغم الانقسام الحاد حول القضايا الخلافية التي تمت بذي صلة الى «حزب الله» ودوره، ومن ضمنها الموقف من التفاهم الذي وقعه الأخير مع عون عام 2006.

من جهة أخرى، ظهر بوضوح أنّ هناك اتجاها ملحوظا لا يزال يحاول التقليل من سوء ما اقترفه المتعاونون مع الإحتلال، مرة بالنظرة النسبوية الى الحرب، باعتبار أن الجميع فظّع وتعامل فيها، ومرة بالمقارنة مع سوى ذلك من معتقلات ومعسكرات تحشيد، ومرة بالعودة إلى المروية «القرية – مركزية»، حول أن اللحديين ظاهرة أملاها وجوب حماية القرى الحدودية.

وفي هذا اغفال الى أنه، حتى بالنسبة الى ميليشيات المركز المسيحي في أعوام الحرب كانت الميليشيا الحدودية المعاونة للاحتلال الاسرائيلي، والناشئة في الأساس من قوة نظامية، مثيرة لنوع من التعالي والفوقية تجاهها مع التنصل منها ان لزم الأمر، كمحاولة تحميلها، وحدها، أواخر العام 1982، المسؤولية عن مجازر صبرا وشاتيلا. وقد تعايشت هذه الفوقية مع نزعة تبريرية عامة وتواطؤ «لوجستي» مزمن مع الميليشيا الحدودية المعاونة للمحتل، وذات المنبت النظامي من جهة، فهي بالأساس قوة عسكرية أرسلتها الدولة في الأساس إلى الجنوب و«فتحت على حسابها» دولة وهمية أخرى مرتبطة تبعيا بالاسرائيليين، تلك التي أعلنها سعد حداد من المطلة باسم دولة لبنان الحر.

ولاحقا، إبان التفاوض اللبناني الاسرائيلي المفضي إلى 17 أيار/مايو، كان يراد تحويلها إلى لواء وسيط، لبنا-اسرائيلي، في الجنوب، وفي غمرة هذا التفاوض، وتبعات الاطاحة بالاتفاق، نقلت قيادة الميليشيا إلى ضابط من جبل لبنان، لا من الجنوب، هو انطوان لحد، وكانت النقلة من «جيش لبنان الحر» إلى «جيش لبنان الجنوبي» (ويفصل بين الجيشين انسحاب 1985 من صيدا والقسم الأكبر من الجنوب، في مناخ انتفاضة القرى، وعمليا تحلل مجاميع الحرس الوطني والحاجة إلى دمج فلولها في مليشيا عميلة واحدة مركزية).

في سنوات التحالف بين المركز اليميني وبين الاسرائيليين ظلت هذه الفوقية تجاه الميليشيا الحدودية المتعاونة حاجة للتأكيد على الفارق بين التحالف، التقاطعي، وبين الارتماء، الكامل، عند الاسرائيليين.

هل كانت هذه الميليشيا الحدودية جزءا من الحرب الأهلية اللبنانية؟ نعم ولا. هي بالأساس، بخلاف الميليشيات الأخرى، من نواة دولتية، ظلت تتقاضى رواتبها من دولة المركز، إلى مطلع التسعينيات. لكن تطبيع صنيعها باعتبار انه الكل ارتكب وفظّع ينافي اي صدقية سياسية. درجة الارتباط والائتمار من الاسرائيليين، والتطوع عنهم للقيام بأحقر الأعمال، لا تجعل واقعيا مساواتها بأي ميليشيا أخرى، ولا باعتبار العقد الإضافي من استمرارها بعد الحرب، تفصيلا. كذلك، الامنيزيا، فقدان الذاكرة، لا ينفع هنا، لا عندما يتناسى يمين المركز انه كان يتعالى على مليشيا الطرف، حرصا على تمييز وضعه عنها، ولا عندما يسارع يمين المركز الى اعتبارها واحدة من ميليشيات الحرب، وواحد من الاحتلالات، مثله مثل سواه، وواحد من المعتقلات مثله مثل سواه. هذا النوع من النظرة النسبوية العدمية للأمور ليس بمدخل جدي للمقاربة،

ليس بمدخل جدي للمقاربة. وتحت حجة أن الجميع حارب وفظّع، والخطايا ابتلي بها الجميع، يصل هذا المنطق «الأعوج» الى معادلة من قبيل أن «سهى بشارة (المقاومة) تساوي انطوان لحد (العميل الذي اطلقت عليه بشارة النار». يبقى أنّ وجود أناس يفكرون هكذا هو واقع معاش في لبنان، لا تنفع المكابرة عليه، ولا يمكن التصرف معه أيضاً بالمجاملة، لكن الانفعالية أيضاً لا تجدي. الذين يفكرون هكذا منهم من يوالي «حزب الله» ومنهم من يعارضه، بصرف النظر عن الدوافع والتبريرات. هذا النوع من تبييض صفحات اللحديين بشكل أو بآخر كارثي، والكارثي أكثر أن طبيعة الانقسامات والحسابات النافذة في لبنان تحول دون معالجة جدية وفعلية لهذا النوع من الافتراء على العقل وعلى الذاكرة.