//Put this in the section

الحقيقة تقولها شبابيك المصارف كيف سيواجه لبنان محاذير الأزمة؟

سابين عويس – النهار

من أجواء النقاشات الحاصلة في مجلس الوزراء، ولا سيما الجلسة الاخيرة، حيث سأل رئيس الجمهورية عن أسباب تأخر دفع المستحقات لأصحابها ورد وزير المال، وإنشغال الوزراء باهتمامات اخرى، يبدو واضحا ان السلطة السياسية في البلاد باتت في مكان يبعد كثيرا عن المكان الذي يقبع فيه اللبنانيون، الغارقون في تحمل تبعات السياسات المتبعة في ادارة الشأن العام.




جواب وزير المال عن اسئلة رئيس الجمهورية حمل قنبلة موقوتة، قد لا يكون الوزراء الحاضرون في الجلسة تداركوا حجمها، او صدقوها، ربما لأنها ليست المرة الاولى يحذر وزير الخزينة من فراغ صندوقه وعجزه عن دفع المترتبات عليه. ولعل السجال الاخير بينه وبين النائب جميل السيد حول ما في جعبة الخزينة هو الدليل على ذلك، لكون وزير المال يرفع الصوت حيال عجزه عن دفع المتأخرات، فيما يتعذر تبيان حقيقة وضع حساب الخزينة رقم 36 الذي كشف خليل ان الرصيد المتبقي فيه لا يزيد على 700 مليار ليرة، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الرواتب والأجور في القطاع العام كما قال.

ولكن ماذا لو صدق وزير المال هذه المرة وكانت الخزينة فعلا فارغة؟ ألا يستوجب ذلك التوقف عنده، وخصوصا أن الاجراءات التقليدية التي اعتادت الوزارة بالتنسيق مع المصرف المركزي والمصارف اللجوء اليها عبر الاكتتابات بسندات الخزينة، ضاق هامشها، وقد خرج وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش بعد جلسة مجلس الوزراء ليدعو المصرف المركزي الى وقف اصدار شهادات الإيداع بالليرة، التي تستقطب شهية المصارف على الاكتتاب بها نظرا الى عوائدها المرتفعة، باعتبار أن مثل هذا الاجراء يفك أسر السيولة التي يمتصها المركزي، ويساعد على تلبية بعض الحاجات التمويلية للدولة.

ليس واضحا ما اذا كان كلام خليل يعبر عن واقع المالية العامة التي بلغت خط النهاية في استنباط هندسات لتمويل العجز والانفاق، او انها ليست سوى عبارة عن عمليات تجميل تلجأ اليها وزارة المال من خلال عدم الافصاح عن حقيقة الارقام، بما يساعد على تخفيف حدة العجز. ولكن في كلا الحالين، فإن المتأخرات المترتبة على الخزينة ليست خافية ما دام هناك من يطالب بها، وارقامها واضحة وتتجاوز بحسب مصدر نيابي المليارات الاربعة (بين مستحقات المستشفيات والمتعهدين والضمان). ولكن الرقم الصادم الذي كشف عنه مصدر نيابي آخر يتمثل بتراجع حجم تحويلات اللبنانيين من الخارج الى 4 مليارات دولار مقابل تحويلات الى الخارج، وهو ما يعكسه العجز المتنامي في ميزان المدفوعات.

وفي مقاربة لافتة لأحد الوزراء حول النــقاشات التي شهدتها الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء، استغراب لردود الفعل الوزارية حيال المشاكل المطروحة. فهو يلمس في هذا السياق تراخيا في التعامل معها، كما حصل مثلا مع موضــوع عقد جلسات مناقشة مشروع قــانون الموازنة، أو طلب وزير التربية عقد جلسة خاصة للبحث في الملف التربوي، وهما امران لم يلقيا اي استجابة فورية، بل على العكس، وبعد التشاور حول موعد الجلسة المقبلة نظرا الى غياب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية من جهة ورئيس الحكومة من جهة اخرى، تقرر عقد جلسة عادية يوم الثلثاء، لم تخصص لمشروع الموازنة، رغم الطابع الملح لهذا الملف، فيما وُضع طلب وزير التربية جانبا. وفي رأي الوزير نفسه، ان هذا التعاطي يعكس استخفافا بحجم المشاكل القائمة ولا يعطي اشارات الثقة التي تشكل اولوية الاولويات اليوم في ظل الصورة القاتمة لمســتقبل الاوضاع المالية والاقتصادية.

والصورة عينها لا يخفيها رئيس المجلس نبيه بري الذي لا يلمس بدوره الجدية والسرعة والوتيرة المطلوبة في اتخاذ الإجراءات.

وما سيزيد الوضع تفاقما، يأتي من خارج الحدود، حيث بدأ مساعد وزير الخزانة الاميركية لشؤون تمويل الارهاب مارشال بلينغسلي يسوق للرزمة الجديدة من العقوبات الاميركية ضد “حزب الله” وحلفاء له. وكلام بلينغسلي ليس جديدا، إذ كان مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شنكر قد أبلغ المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الاخيرة الاستعداد للدفعة الجديدة، كما نقلت أوساط سياسية مطلعة عن المسؤول الاميركي بعضا من مضمون رسائل شنكر للسلطات اللبنانية، وفهم ان اللائحة لن تضم اسماء شيعية، ما يعني مزيدا من الضغط السياسي والاقتصادي والمالي على لبنان وقطاعه المالي.

في الخلاصة، أيا تكن الارقام المتصلة بخزينة الدولة أو بميزان المدفوعات أو بلائحة العقوبات، فإن اللبنانيين لم يعد في آذانهم إلا ما يسمعونه أمام شبابيك المصارف. وما يسمعونه يذكرهم بأيام صعبة مرت عليهم في السابق، ويخشون أن تعود بعقارب الساعة الى ذلك الزمن، الذي قد لا يكون بعيدا ما لم تشهد البلاد صدمة ثقة إيجابية في المدى القريب… جدا!