//Put this in the section

هل تخضع معضلة توافر الكهرباء للحلول العلمية؟ – مروان اسكندر – النهار

تثقل مشكلة الكهرباء على الاقتصاد اللبناني منذ انهاء معملي نهر البارد والزهراني لتوليد الكهرباء بطاقة 900 ميغاوات اجمالية، وذلك بمبادرة من رفيق الحريري الذي أضاف الى هذين المعملين معملاً في بعلبك بطاقة 80 ميغاوات وآخر في النبطية بطاقة مماثلة، وقد حقق كل ذلك باقتراض 1.2 مليار دولار. أوائل عام 2005 اغتيل رفيق الحريري بهدف اغتيال مستقبل لبنان وشهد ذلك العام تطورين أساسيين على صعيد تأمين الكهرباء للحاجات المنزلية، الصناعية والاستشفائية الخ.

التطور الأول والاكبر خسارة للبنان كان اهمال عرض قدّمه وزير النفط والغاز في قطر في ذلك التاريخ الاستاذ عبدالله العطية. انتاج الغاز المسيل في قطر تحقق ذلك العام وكان القطريون يبحثون عن أسواق لانتاجهم، وبما أن عبد الله العطية كان محبًا للبنان وصاحب فيلا في اعالي عاليه، زار لبنان ولديه عرض نلخصه بما يلي:




– توفير الغاز للبنان لمعامل الكهرباء على أساس دولارين لكل 1000 قدم مكعب. ومعلوم ان الطاقة المتوافرة من برميل من المازوت توازي 6000 قدم مكعب، وتالياًً كان السعر المثبت لـ20 سنة ما يعادل 12 دولاراً لبرميل من المنتجات.

– ايجاد منشآت لاستقبال الغاز المسيل وتحويله الى غاز طبيعي لتغذية معملي الكهرباء المنجزين بمواصفات تسمح بذلك.

العرض القطري لو انطلق منذ عام 2005 لكان الوفر منه حاليًا اذ نستهلك مليوني طن من المازوت وزيت الوقود (فيول أويل) أي ما يساوي 14 مليون برميل، وحيث ان المازوت مكرر من النفط الخام تكون كلفته أعلى من كلفة النفط الخام بنسبة 15 في المئة على الاقل، وتالياً فإن استهلاك 14 مليون برميل بمعدل كلفة 75 دولارًا للمشتقات يعني مواجهة تكاليف تساوي 1.1 مليار دولار، ولو كان الغاز القطري متوافرًا بالسعر المقترح قبل 15 سنة، لكانت الكلفة علينا 250 مليون دولار.

لماذا لم نأخذ بالعرض السخي وقت كانت قطر تسعى الى ترسيخ أسواقها للغاز المسيل؟ الاجابة لدى الوزير صاحب الاخلاق الرفيعة الذي صرح بأن كثرة طالبي العمولات لم تسمح له بالنوم بهدوء في الفندق، فغادر لبنان هربًا من السماسرة.

التطور الثاني كان سلبيًا أيضًا، وتمثل في طلب الرئيس السنيورة تأليف لجنة من ستة خبراء لتفحص السير الذاتية لمن يرغبون في الانضمام الى هيئة الاشراف على شؤون النفط، وكان هنالك قرار من مجلس الوزراء بإنشاء هذه الهيئة استجابة لتوصيات البنك الدولي منذ عام 1996. لقد كنت عضوًا في اللجنة المكلفة تسمية الاعضاء المناسبين بعد مقابلتهم والاطلاع على سيرهم الذاتية، وقد مارسنا هذه المسؤولية وتعززت قدرتنا على الاختيار بتوصية الرئيس السنيورة باهمال الانتماء الطائفي للمتقدمين بسير ذاتية. قابلنا 80 مرشحًا منهم ثلاث مرشحات أحدهم الاستاذ كمال الحايك، وكما يعلم الجميع واجهت جهود تأليف اللجنة مواقف سلبية من عدد من النواب ولا تزال فرضية تأليف هيئة غائبة عن تفكير المشرفين على قطاع الكهرباء.

عام 2011، قدمت سيدة حائزة منحة من مؤسسة الصفدي دراسة مطولة عن قطاع الكهرباء في لبنان الى جامعة ستانفورد الاميركية المعروفة، وكانت خلاصة دراستها مشوبة بالتشاؤم، فهي أوضحت ان خطوات الاصلاح معروفة لكن الممارسات تسيطر عليها الاهواء السياسية.

الوزير الحالي منصور بطيش، وهو مصرفي ومحلل مالي يمكن القول انه مميز، أنجز دراسة عنونها “الكهرباء في لبنان – انعكاسات سلبية في الاقتصاد”، بّين فيها ان عجوزات قطاع الكهرباء بلغت حتى تاريخ 2014 نحو 14 مليار دولار، وهو لم يميز بين فترة حكم الحريري وحكم وزراء التيار الوطني الحر في شؤون الكهرباء، علمًا بان العجز الاجمالي لفترة حكم الحريري كان ملياري دولار منها 1.2 مليار دولار خصصت لانجاز معملين بطاقة 900 ميغاوات ومعملي بعلبك والنبطية، وتوافرت الكهرباء لجميع اللبنانيين مع انبلاج القرن الحادي والعشرين.

فريق حكومة فؤاد السنيورة كان قد انجز مواصفات انجاز محطة كهرباء بطاقة 600 ميغاوات في الشمال على مقربة من المحطة المنجزة أواخر التسعينات، وقد لزّم المحطة وزير التيار الوطني جبران باسيل لشركة الاستاذ نزار يونس، ومن ثم سحب التلزيم واجريت مناقصة جديدة عام 2013 لانجاز محطة بطاقة 450 ميغاوات حازت عقدها شركة قبرصية لا تحوز خبرة في هذا المجال، ولم تنجز اي خطوة في سبيل التنفيذ. وأقامت الشركة القبرصية دعوى قضائية لدى السلطات البريطانية حيث نص العقد على ذلك. وقال وزير النفط السابق إن هنالك مفاوضات جارية لتلزيم انشاء المحطة وتشغيلها للطرف القبرصي ولا اخبار عن أي اتفاق.

اخفاق القطاع العام، أو مصلحة كهرباء لبنان، في التقدم ان على صعيد التجهيز أو الصيانة أو استعمال لقيم أقل تلويثًا وكلفة من المازوت والفيول أويل، أوجب اللجوء الى استئجار السفن لتوليد الكهرباء، وهذا المنهج يكرس الهدر لان جميع النفقات التي تخصص للسفن تذهب هباء مقارنة بما يتحقق لو كرسنا الاموال لاستقبال بواخر تحويل الغاز المسيل الى غاز صالح كلقيم، او لانشاء معامل جديدة.

الانجاز الكبير لوزراء الطاقة المتعاقبين كان استدراج 28 مليار دولار من التسليف منذ 2008 وحتى 2019 وهذا المبلغ، مضافًة اليه الفوائد المستحقة بمعدل 6.8 في المئة سنويًا، يتجاوز 45 مليار دولار اي اكثر من 53 في المئة من الدين العام، وكان في الامكان انجاز محطات بطاقة 28 الف ميغاوات، وتوزيع الكهرباء على سوريا والاردن بعد استعمال جزء من المال المهدور والتمنع المقصود عن الاصلاح.

منذ 2010 وحتى 2019 كتبت 52 مقالاً تتناول شؤون الطاقة وبصورة خاصة قضايا الكهرباء، ولم تحظ مقالاتي بانتباه الحكام، علمًا بان “تيار المستقبل” انجز دراسة وافية تضمنت توصيات مفيدة عام 2015، لكن حكومة سعد الحريري تبنت ما يسمى خطة، ليس أكثر من اجتزاء لخطة سابقة لم تنفذ.

الاستفاقة تحققت مع تقرير الزائر الفرنسي المكلف ملاحقة التطورات الاصلاحية في لبنان تمهيدًا لتحريك قروض مؤتمر “سيدر”، وحينما نطق بيار دوكين كفرًا بالقول إن إصلاح قطاع الكهرباء جذرياً يجب ان يسبق تحريك المساعدات، وان ما هو متفق عليه بين الوزراء غير كاف، قرأنا تعليقات تندد بإلقاء الدروس على اللبنانيين. وكان دوكين عدّد، وهو صديق حقيقي صدوق، خطوات الاصلاح المطلوبة وانتفاء أي جهد لتحقيقها. وموقفه يعبر عن موقف الرئيس الفرنسي الذي يفترض ان يعبر عما هو مطلوب في اجتماعه مع رئيس وزراء لبنان قريبًا. ويكفي ان نعرف وندرك مغزى تأخير زيارة الرئيس الفرنسي للبنان ثلاث مرات وليتنا نتفهم رسائل الاوروبيين من فرنسيين والمان وبريطانيين بقدر ما تفهمنا مغزى رسالة مختصرة من الاميركيين.