//Put this in the section

الليرة مصانة ولكن بأي سعر؟ وهل تصبح رهينة المرابين؟

سابين عويس – النهار

يحرص أركان السلطة على تأكيد تمسكهم والتزامهم الاستقرار النقدي، رغم كل الضغوط المالية التي تواجه لبنان والتي أدت الى خفض تصنيفه ووضعه في مرتبة ” الخردة”، تحت تهديد ثالث وكالات التصنيف الدولية ” ستاندرد انه بورز” بمهلة ستة اشهر قبل ان تلتحق بزميلتيها في خفض تصنيفها.




يواكب حاكم المصرف المركزي السلطة السياسية في قرار تثبيت النقد من خلال جهوزية المصرف الدائمة وحضوره المتواصل ففي السوق دفاعا عن الليرة. وهو منذ بدأت ملامح الازمة المالية تلوح في أفق السوق مستمر في هذه المهمة، مستندا على عاملين أساسيين اولهما شُح السيولة التي يمكن استعمالها ضد العملة الوطنية، وهذا الشح يعود في الدرجة الاولى الى الهندسات المالية التي يعتمدها المركزي لامتصاص وشفط السيولة المتوافرة، رغم الانعكاسات السلبية لهذا الخيار على صعيد التسليف وتنشيط الحركة الاقتصادية. اما العامل الثاني، فيعود الى الهامش الضيق المتاح امام المضاربة على الليرة، نتيجة النسبة المرتفعة للدولرة والتي تجاوزت اخيرا ال٧١ في المئة.

ولكن، هل كل هذه الأسباب والعوامل تفعل فعلا فعلها في الحفاظ على الاستقرار النقدي او ان ما ينعم به لبنان حاليا لا يعدو كونه استقرارا نظريا، بما ان الوضع النقدي لا يخضع لسيطرة السلطة النقدية الا على مستوى المصارف التي تلتزم هامش التسعير المعلن، فيما تنشط السوق الموازية او السوق السوداء بفعالية تامة تشجع المواطنين على اللجوء الى المرابين لتلبية حاجاتهم التمويلية.

فصحيح ان المصارف تلتزم السعر المحدد من مصرف لبنان، لكن هوامش تعاملاتها باتت ضيقة جداً. بعضها قد وضع سقفا لفروعه لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات المسموح تحويلها، ونصيحتها للزبائن الراغبين في اجراء عمليات تحويل من الليرة الى الدولار فتكمن في دعوة هؤلاء الى اللجوء الى الصرافين!

لا يسع المصرف المركزي ترك السوق او إسقاط هذا الخيار الذي يشكل له درع الحماية الاخير للمدخرات والودائع، بعدما باتت الكتلة النقدية بمعظمها لديه. وهذا يعني ان هذه التدابير القاسية ستحكم السوق لفترة غير قصيرة، وغير محددة آجالها، كونها تبقى رهن نجاح الدولة في ارساء معالجات تخرج البلاد من ضيقتها المالية.

ليس في أفق المعالجات ما يشي بأن هذه المرحلة ستكون قصيرة. فرغم عزم الحكومة على المباشرة بدرس مشروع موازنة ٢٠٢٠، ورغم التزام القوى السياسية بترك الإجراءات الضريبية الموجعة آخر الكي، فإن الازمة ستكون طويلة الامد، وستكون تداعياتها قاسية على المواطنين، ان لجهة التعامل بالليرة او لجهة اجراء التحويلات داخل لبنان او الى الخارج. ذلك ان معظم التجار والمستوردين كما المؤسسات الخاصة في مختلف المجالات الاقتصادية والخدماتية والسياحية والتربوية باتت ترفض التعامل بالليرة وترد الشيكات المسحوبة بالعملة الوطنية وتشترط القبض بالدولار. كما ان الفترة تحصل بالدولار. ويكفي ان نشير الى مثال بسيط يتمثل بشركة الطيران الوطنية التي تصدر تذاكر السفر بالدولار، فيما الطيران الاثيوبي مثلا يقبض بالليرة!

ممارسات مماثلة اذا تفاقمت ولم تشع الدولة حدا لها ستؤدي الى زعزعة الثقة بالعملة الوطنية ليصبح استقرارا فقط حبرا على ورق!