//Put this in the section

هل رَبح جعجع دروز جنبلاط وسُنّة الحريري؟

مجد بو مجاهد – النهار

تحجز “القوات اللبنانية” مكاناً لها ومكانةً، في فطرة الرأي العام الدرزيّ والسنيّ المتأثّر بحقبة الرابع عشر من آذار، وهذا ليس جديداً يقال. وبدا جليّاً وضوح الشمس، في الأيام الأخيرة التي تلت لقاء رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب تيمور جنبلاط بوزير الخارجية جبران باسيل في دارة الأخير باللقلوق، أن شريحة من جمهور الحزب التقدمي الاشتراكي لم تستسغ لقاءً من هذا النوع، خصوصاً أنه تزامن مع إلغاء رئيس حزب “القوات” سمير جعجع زيارته إلى الشوف وما كان منتظراً من لقاء مع “مشايخنا” الدروز والسنّة، بغضّ النظر عن المسبّبات الطارئة – الخاصة التي أحالتها إلى أجلٍ غير مسمّى. وتوزّع المعترضون التقدّميون على ثلاثة فرقٍ، وفق ما رشح من مواقف على مواقع التواصل الاجتماعي: تخوّف الفريق الأوّل من أن يكون في نيّة زعيمهم وليد جنبلاط المضيّ في حلفٍ سياسي مع “التيار الوطني الحرّ”.




ووجّه الفريق الثاني انتقادات الى الفريق الأوّل على تبنّي نظريات مماثلة، داحضاً – رافضاً أي حلف سياسي ممكن أن يحصل مع “التيار البرتقالي” على حساب “القوات”. ورأى الفريق الثالث أن توقيت زيارة اللقلوق لم يكن مناسباً بالتزامن مع زيارة جعجع. وتقود مفترقات الرأي الثلاثة الى وجهة سياسية واحدة، عنوانها “الجمهور عايز كده”: الحفاظ على اتقاد شعلة حلف المختارة – معراب، وابعاد أي “كأس مرّة” يمكن تجرّعها مع شرب نخب أي تحالف جنبلاطي – باسيلي، وهذا ما هو أقرب الى الحقيقة الجماهيرية العلمية – الموضوعية. ولا تلغي هذه الخلاصة، قاعدة ثابتة أكثر أهميّة في نفوس الدروز، عنوانها أن جنبلاط هو قائد المركب الذي يُخاض البحر معه أينما سارت اتجاهات الرياح السياسية.

وصلت الانطباعات الدرزية سريعاً الى القيادات التقدمية، وهذا ما شكّل مفاجأة لدى البعض وأطلق العنان لطرح علامات الاستفهام في الصالونات السياسية حول الأسباب الكامنة وراء نغمة “الجمهور عايز كده”. وتبيّن جلياً أن الدروز طووا صفحة حرب الجبل نهائياً، وهذا من شأنه أن يعكس صحّة العلاقات مع المسيحيين. وظهر أيضاً أن الجمهور يريد خطابا اعتراضيا ومواجهات عمودية و”أدرينالين” مرتفعا، وهذا ما يرفع رصيد التقدمي في الساحة الدرزية. أما الهمود السياسيّ، فهو ينعكس هموداً شعبياً.

كيف تنظر “القوّات” الى انطباعات شريحة من الجمهور الدرزي حول لقاء اللقلوق؟ يقول عضو “تكتل الجمهورية القوية” النائب وهبه قاطيشا لـ”النهار” إن “المصالحة التاريخية التي حصلت بإشراف البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، عكست الوضع التاريخي الحقيقي للجبل. وأي اختراق من أي فئة مسيحية أو درزية، تسعى الى اقحام نفسها في هذه المصالحة، هو تدخّل غير طبيعي. وأثبتت المصالحة بعمديها جعجع وجنبلاط أن لا عودة الى الوراء”. ويضيف: “نحن نعلم لماذا ذهب تيمور جنبلاط الى اللقلوق، ونعي موقف وليد جنبلاط من المصالحة مع حزب الله. لا تعطّل هذه التطورات المصالحة بين القوات والتقدمي بل ترسّخها، وكلّ من يهدف الى تنغيصها سيصطدم باعتراض أهل الجبل”.

ويرى قاطيشا أن “لقاء اللقلوق أثمر مصالحة شعبية، لكن العهد لا يزال يحاول محاصرة جنبلاط بايعاز من الخارج. وأثبتت ردود الفعل السلبية أن أهل الجبل يريدون الحفاظ على مصالحتهم الأساسية مع القوات، خصوصاً أن خطاب معراب يلتقي مع ما يريده الموحدون الدروز. ويحبّ الرأي العام الدرزي والسني القوات ويؤيد مواقفها، وهذا لا يضرّ بمصالح الحلفاء الاستراتيجيين الذين نستمر معهم على الخطّ نفسه”. ويخلص الى أنه “لا خوف على حلف استراتيجي بين القوات والتقدمي والمستقبل، وهو حلف رأي عام، هدفه قيادة الدولة وتحرّرها من الهيمنة السورية والتبعية الايرانية رغم الاختلاف داخلياً على قضايا عدّة”.

هل يعني التعاطف الدرزي – السنّي مع جعجع أن الأخير حقّق مكاسب محفورة في سجلات الطائفتين؟ هذا السؤال أكثر عمقاً ودقّة والإجابة عنه مختلفة. والحنين الذي يقود كثيرين الى زمن 14 آذار، قد يكون كبكاء عنترة بن شداد على أطلال متيّمته عبله، وهنا يقول مصدر سنّي بارز عاش حقبة ثورة الأرز، بأن ذاكرة 14 آذار تتلاشى في النفوس. ويرى أن التعاطف مع جعجع سببه الكره لباسيل، مشيراً الى أن “للتعاطف حدوده، فمضى وقتٌ كان فيه جعجع أهم من سعد الحريري في الشارع السني وأهم من أهم زعيم سني، لكن شعبيته تراجعت سنياً بعد حقبة اتفاق معراب”. ويعتبر أن “جعجع يتحمّل أيضاً مسؤولية مآلات الوضع، ذلك أن (من جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً)، وقد جرّب جعجع التيار العوني سابقاً وطعن في الظهر. وكان جعجع الأكثر تمسّكاً بالخطاب الاستراتيجي، لكن تبيّن أنه يقاتل أيضاً على التكتيك”. ويلفت الى أن “القاعدة السنية تكره مواقف باسيل فتلجأ الى جعجع الذي يتبنّى خطاباً اعتراضياً محقّاً”.

ويضيء المتحدّث على “واقع” من شأنه التسليم بتلاشي مرحلة 14 آذار من الأذهان، فيقول إن “الخطير أن بعض السنة في مناطق الأطراف يتبعون من يؤمّن لهم المصالح، بعدما رأوا أن الزعماء تتبع هذه الاستراتيجية أيضاً. وتتبع شريحة من سنّة عكار باسيل، وهي ظاهرة انتشرت بدءاً من العام المنصرم، اذ سمّى 400 عنصر سنّي التحقوا في الجيش اللبناني من أصل 600 عنصر (على طريقة الأحرف المدوّرة). وهؤلاء أضحى انتماؤهم الى التيار. ويؤمّن حزب الله خدمات صحية ومادية لسنة البقاع عبر النائب عبد الرحيم مراد”. ولا شيء أكثر تعبيراً عن دراماتيكية الوضع سوى “حلول جهاد الصمد أوّلاً في انتخابات الضنية، معقل من معاقل 14 آذار سابقاً”. لكن هذه الوقائع، لا تلغي إمكان عودة “زمن 14 آذار الجميل”… في مرحلة ما!