//Put this in the section

إيلي كوهين: القصة مستمرة! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

هناك وسائل مختلفة تلجأ إليها بعض الدول لخلق هالة أسطورية على أجهزتها الاستخباراتية، وذلك لأجل زرع الخوف الدائم في صدور الخصوم. وأتقنت ذلك ببراعة وكالة الاستخبارات المركزية (C.I.A) في الترويج عن نفسها بشكل خيالي في الروايات والأفلام، وطبعاً كذلك فعلت المخابرات البريطانية MI6 وتحديداً حينما «أطلقت» شخصية العميل السري جميس بوند، الذي ساهم بشكل مؤثر وفعال في صناعة صورة لجهاز الاستخبارات البريطانية بأنه لا يقهر، وبطريقة غير مباشرة تم بالتالي إبراز جهاز الـ«كي جي بي» بأنه خصم عظيم لهما وتشكلت كنتيجة صورة ذهنية له. وطبعاً هناك جهاز الاستخبارات الإسرائيلية المعروف باسم «الموساد»، الذي وظف الإعلام جيداً لإبراز صورته بشكل خيالي وأسطوري وترويج سمعة أنه أقوى أجهزة المخابرات حول العالم، ولأجل ذلك دعم طباعة الكتب وإنتاج الأفلام السينمائية التي تظهر عملياته المختلفة مثل ملاحقة النازيين، عملية عنتيبي، عملية إخراج اليهود الفلاشا، عملية ميونيخ والاغتيالات المتعددة حول العالم التي نفذها الجهاز، ويضيفون هم أيضاً «توظيف» أشرف مروان لإنجازاتهم، ولكن يعتبرون الإنجاز الأهم لهم هو زرع الجاسوس إيلي كوهين في دمشق واختراقه المنظومة الأمنية والعسكرية هناك حتى تم اكتشافه ومن ثم إعدامه.

تعرض شبكة «نتفلكس» هذه الأيام سلسلة باسم «الجاسوس» تروي قصة حياة إيلي كوهين بشكل درامي وبطولي يلعب دوره الممثل البريطاني الكوميدي الشهير ساشا كوهين المعروف بدور «بورات»، وهو بالمناسبة لا يقرب لإيلي كوهين، بل مجرد تشابه أسماء. هناك ثغرات واضحة في القصة؛ إذ تعتمد على تسلسل الأحداث الذي جاء في كتاب «وحيداً في دمشق» للكاتب الإسرائيلي شموئيل شيغف، وفيه وكذلك في الفيلم يظهر تعارف إيلي كوهين (الذي تقمص شخصية رجل أعمال سوري مهاجر في الأرجنتين باسم أمين ثابت) على أمين الحافظ القنصل العسكري للسفارة السورية في بيونيس آيريس بالأرجنتين، والذي سيصبح لاحقاً رئيساً لسوريا بعد انقلاب يقوم به. المشكلة في هذه الرواية أنه في التاريخ المشار إليه لوجود إيلي كوهين في الأرجنتين لم تكن هناك سفارة «سورية» لأن وقتها كانت سوريا جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة بعد وحدتها مع مصر، والحافظ لم يكن هناك (باعتراف أمين الحافظ نفسه). وفي مذكرات الإعلامي السوري الراحل عبد الهادي البكار (وهو المقرب من نظام حافظ الأسد ورموزه وخصوصاً مصطفى طلاس) يقول إنهم «لفقوا» زيارة إيلي كوهين للحدود السورية الإسرائيلية ونشروها لاحقاً بقوة. حافظ الأسد كان جزءاً من النظام الذي انقلب على أمين الحافظ. في الفيلم هناك إشارتان (من دون داعٍ ولا مناسبة) إلى حافظ الأسد مرة يقربون الكاميرا بقوة إلى صورة له على الجدار، ومرة أخرى يذكر اسمه. وهي شفرة على ما يبدو للمتلقي أن يفك رموزها.




حرب 1967 قامت بعد سنتين ونصف من إعدام إيلي كوهين، وكان وقتها حافظ الأسد وزيراً للدفاع وأعطى أوامره بالانسحاب لقواته دون قتال لتفقد سوريا هضبة الجولان للأبد. أما «قصة» تجنيد أشرف مروان من قبل الموساد فيفضحها نصر المصريين في حرب أكتوبر (تشرين الأول)، رغم كون أشرف مروان حسب زعمهم قد قام بإعلامهم بالتاريخ الحقيقي ليوم انطلاق المعركة، مما يجعل القصة الإسرائيلية هشة ومن نسيج الخيال. الفيلم ضعيف من الناحية التقنية والإخراجية، ولكن صفحة جديدة في قوة الترويج وتشكيل الصورة الذهنية القوي المستمر لتثبيت «قوة» إسرائيل العظمى في الأذهان، وأن لا شيء من الممكن أن يقف في طريقها. إيلي كوهين جاسوس «اخترق» المنظومة الأمنية في سوريا، ولكن هناك رواية سورية صدرت في أوائل عام 2001 في دمشق في كتاب بعنوان «حقائق لم تنشر عن الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين وقصته الحقيقية»، وهي للواء المتعاقد صلاح الضللي الذي رأس المحكمة العسكرية التي حكمت بالإعدام على إيلي كوهين، يؤكد الرجل أن إيلي كوهين هو «تاجر سوري يهودي من دير ياسين اسمه (كرجي) هرب من البلاد ثم عاد إليها».

وهذه أيضاً مسألة أخرى تزيد القصة تعقيداً. إسرائيل ركزت كثيراً على دور إيلي كوهين في «نصر» 1967 وأصدرت كتاباً مهماً لدعم ذلك بعنوان «الجاسوس الإسرائيلي وحرب الأيام الستة» للكاتب زفيل دوي جيرولد بالينغر، وينسبون لكوهين فضلاً عظيماً للمعلومات و«الاختراق» الذي أحدثه في المنظومة العسكرية هناك. الأيام التي تلت وضحت أموراً أكبر.