//Put this in the section

تقديرات مضخمة للنجاة اقتصادياً!

روزانا بومنصف – النهار

لم يولِ المسؤولون أهمية كبيرة لما اورده الموفد الفرنسي بيار دوكان في مؤتمره الصحافي اخيرا، حين كشف أن لديه شعورا قويا بأن الوضع الملح والحرج بات واضحا بالنسبة الى جميع المسؤولين كما قال، على غير ما كانت عليه الامور سابقا، ما يعني بالنسبة الى مصادر سياسية أن اللبنانيين يسلمون أمرهم ومستقبلهم الى حكام لا يعون وطأة ما يحصل ولا مسؤولية إدارة البلد وتسيير الامور، كما لو أنه ليس هناك أمر شديد الخطورة يقبل عليه لبنان. واذا وعى المسؤولون ذلك راهنا وفق ما قال دوكان فان لا ثقة بأنهم سيتخذون القرارات المناسبة، وتعبّر عن ذلك المناورات السياسية والخطابات اليومية التي تظهر أن كل طرف سياسي يكمن للآخر من أجل تسجيل النقاط أو المكاسب السياسية ليس إلا، في حين أن المرحلة تتطلب أكبر مقدار من التزام الصمت او على الاقل الابتعاد عن الخطابات التي لا تنفع، باستثناء زيادة الامور سوءا، اللهم ما لم يكن هناك افرقاء يدفعون في هذا الاتجاه في مقابل الافرقاء الذين لا يعون خطورة ما يسير اليه البلد.




وتنتقد مصادر ديبلوماسية ممارسة المسؤولين اللبنانيين او غالبيتهم السياسة على جاري العادة، من دون الاخذ في الاعتبار جملة متغيرات خطيرة جذرية حصلت وتستمر في الحصول في المنطقة، بحيث تؤخذ العوامل الجديدة في الاعتبار وتوظف من اجل محاولة انقاذ لبنان بالحد الادنى الممكن لعدم انهياره، في موازاة الانهيارات الحاصلة في الجوار. من بين هذه المتغيرات ان سوريا مثلا، الممثلة بالنظام الحالي لم تعد موجودة، فيما يجاهد هذا الاخير من أجل تثبيت نفسه بين الطموحات الروسية والسيطرتين الروسية والايرانية على نحو مباشر، بحيث لا يفترض تجاهل هذا الواقع الذي يعني لبنان الى حد كبير، بما في ذلك موضوع اللاجئين السوريين الذين لن يعودوا الى بلادهم وفق ما تؤكد هذه المصادر، إذا استمر النظام الحالي قائما، علما أنّ هذا الاخير لن يعيدهم لاعتبارات خاصة به ايضا. ومع ان لبنان يرفع الصوت باستمرار، وعن حق في هذا الموضوع، فمن غير المحتمل أن يشهد عودة للاجئين في المدى المنظور، ما يعني استبعادا طويلا او عدم عودة الجزء الاكبر من هؤلاء مع مضي الوقت، نظرا الى المتغيرات التي تكون طرأت على حياتهم.

المتغيرات التي لا يوليها المسؤولون اللبنانيون الاهمية التي تستحق، تتمثل بمجموعة اهتزازات جذرية لا تعبر عنها الانتفاضات او الثورات الشعبية في عدد من دول المنطقة فحسب، بل ما يعنيه ذلك من فقدان هذه الدول اداة السيطرة الامنية التي تمسك بها الناس وتخيفهم بها، علما انها لا تزال موجودة، وبعض الدول التي شهدت ثورات تحاول أن تعيدها بقوة على غرار مصر مثلا، فيما ما حصل في الجزائر كما ما حصل في السودان يعطي أمثلة بارزة على التحولات التي تعيشها المنطقة وعدم إمكان تسيير الامور كما في السابق، على رغم أن الجيش في كل من السودان والجزائر يحاول أن يكون أداة الحكم أو أبرزها كما كانت الحال سابقا. لكن الارض في كل من الدولتين الاخيرتين أظهرت ان الناس في المنطقة لم تعد تخاف كما في الماضي، ولم يعد يمكن ضمان التحكم في الناس وفق هذا الاسلوب، عبر معادلات شاعت ولا تزال تستعاد على قاعدة اقبلوا بنا افضل من الفوضى او من “داعش” مثلا او من “الاخوان المسلمين”. وسبق للبنان أن كسر حاجز عدم الخوف من النظام السوري، ما أدى الى انتفاضة أخرجت القوات السورية من لبنان، ولكن رفعت في المقابل فزاعات اخرى يعتقد انها لن تنجح بعد الآن، علما ان العامل الطائفي يتحكم بالقوة في الواقع اللبناني.

من هذه المتغيرات ايضا عدم وجوب الرهان على المال الداعم ولا سيما المال العربي الذي كان يشكل اساسا ولا يزال بالنسبة الى جملة استحقاقات في المنطقة، على غرار ما أثير في هذا المجال بالنسبة الى الشق الاقتصادي مما سمي صفقة القرن او ما ينتظر أن تقوم به الدول الخليجية على صعيد إعمار سوريا مثلا، أو أن تقدم مساعدات الى دول المنطقة ومن بينها لبنان. فهناك بالنسبة الى الاخير عاملان أساسيان أحدهما أن الكلام المتواصل على الفساد والاتهامات المتبادلة حول هذا الامر وحول الهدر والسرقات لا يشجع أحدا على تقديم الدعم، فضلا عن عامل سياسي يعتبر كثر أنه يتصل بالواقع السياسي في ظل تصاعد نفوذ “حزب الله” في الاعوام الاخيرة. لكن الرهان على هذا الموضوع غدا في غير محله بعد تلاشي الاداة المالية الريعية مع تدني سعر النفط الى ما دون المئة دولار للبرميل ودخول الدول الخليجية على خط الانتفاضات الحاصلة كما في اليمن مثلا، ما أدى الى تقليص أي دعم خليجي لدول التي كانت تحصل على مساعدات او دعم عربيين، الى جانب بروز قيادات سياسية جديدة كما في حال المملكة السعودية وهذه العوامل الى جانب عامل آخر لا يقل اهمية ويتصل بالوقائع التي فرضتها الازمة المالية العالمية في العام 2008 ساهمت في تغيير الاولويات لدى دول عدة بحيث لا يمكن التوقع ان يكون هناك اهتمام كما في السابق حتى لو ان هناك رهانا دائما على الاعتقاد أن موضوع اللاجئين السوريين أو اللاجئين الفلسطينيين او المخاوف من انفلات الوضع على نحو خطير يهدد بفوضى في لبنان سيبقي الانظار الدولية راعية للبنان بالحد الادنى على الصعيد الاقتصادي. فهناك حرص فعلي على عدم الفوضى واستمرار الاستقرار، لكن ثمة تحذيرات من سوء تقدير إزاء حجم هذا الحرص.